45
ويأتي معه في الأهمية بطليموس صاحب المجسطي. الأول للعقل والثاني للكون. ثم يأتي ثالثا سقراط وأرسطو. فسقراط هو أحكم البشر، وأرسطو هو المعلم الأول. ثم يتلو الإسكندر معلم أرسطو، ثم أبقراط وهوميروس الشاعر، ثم أفلاطون، ثم ديوجانس وسولون وديمقراطيس وهرمس وطاليس وأرسطيبوس وأرشميدس، وأخيرا في المرتبة السابعة يأتي جالينوس وريموس.
46
والبعض منهم أقل شهرة من الآخرين مثل ذيبو الشاعر أو ريموس. ولا تهم الشهرة التاريخية بقدر ما يهم الاسم كحامل لحكمة. ولا فرق في الحكمة بين الحكماء والأطباء والمشرعين والشعراء.
الفصل الثاني
| القراءة
| أولا: قراءة التاريخ
وتعني القراءة تأويل التاريخ وإعادة صياغته، وصب حضارة الوافد داخل حضارة الموروث، إدخال ثقافة الآخر في ثقافة الأنا؛ من أجل تجاوز ثنائية الثقافة، وتحقيقا لوحدة الحضارة البشرية في بدايتها ومسارها. ليست القراءة مجرد وجهة نظر في المقروء من منظور الأنا. والتاريخ نفسه به قدر من القراءة تقل في بداية التدوين وفي عصوره المتقدمة وفي أنواعه الأدبية الأولى، وتزيد في نهايات التدوين وفي عصوره المتأخرة، وفي الأقوال والحكم والأمثال كنوع أدبي. وتتفاوت القراءة من تدوين لآخر، فالبعض أقرب إلى التاريخ منه إلى القراءة، مثل ابن أبي أصيبعة، والبعض الآخر أقرب إلى القراءة منه إلى التاريخ مثل الشهرزوري. وهذا هو الفرق بين المؤرخ والفيلسوف، بين الراصد والرائي، بين المحصي والمدرك. وتتفاوت القراءة بين الموضوعات. أكثرهم قراءة هرمس وأفلاطون وأرسطو وجالينوس وبقراط، وأقلهم قراءة إقليدس. كلما كان الموضوع أقرب إلى الدين زادت القراءة، وكلما ابتعد عن الدين قلت القراءة. ربما لصعوبة تأويل بعض الموضوعات الوافدة داخل الموروث مثل تحويل النار إلى نظرية في الخلق.
1
ولكن الغريب هو عصيان أرسطو على التأويل والأسلمة عنه الشهرزوري، كبير المؤولين، الفيلسوف الذي يؤرخ للفلسفة.
والصلة بين التاريخ والقراءة مثل الصلة بين التاريخ والتأريخ، بين الموضوعي والذاتي في تدوين التاريخ، بين التاريخ كنصوص منقولة والتاريخ كقراءة للنصوص؛ ولذلك يصعب الفصل بين التاريخ والقراءة والتمييز بينهما في الدرجة لا في النوع. فلا يوجد تاريخ بلا حد أدنى من القراءة ولو رؤية المؤرخ وهدفه، ولا توجد قراءة بلا حد أدنى للتاريخ، للنواة الأولى التي تنسج حولها القراءة.
القراءة هي وضع الوافد في إطار الموروث، وحمله عليه، وتفسيره من خلاله، وإعادة بنائه فيه. الوافد هو المادة والموروث هو الصورة. وهي منطقة التفاعل التي تحدث فيها ظاهرة التشكل الكاذب. فاللوجوس عند اليونان هو النطق أو القول عند العرب.
2
تعني القراءة اتخاذ الموروث كإطار مرجعي للوافد. فهو تاريخ إسلامي مقنع، إعادة عرض الموروث بلغة الوافد، وإعادة ترجمة الوافد بلغة الموروث من أجل إلغاء المسافة بين الاثنين تجاوزا لثنائية مصادر المعرفة إلى المعرفة الموحدة.
3
فقد صنف أفليمون كتاب الفراسة، وهو علم عربي قديم قبل الإسلام وبعده. وقص هيوميروس على لسان الحيوانات أصبح جزءا من الأدب العربي،
4
تعني القراءة إلغاء مراحل التاريخ والمسافة الزمنية بين الحضارات، ضم اليونان إلى المسلمين، والفلسفة إلى الدين، والأسطورة إلى التاريخ. تعني القراءة بيان اتفاق الحكمة الوافدة مع النبوة الموروثة، واتفاق الحكماء مع الأنبياء، فالحكمة من النبوة، والنبوة من الحكمة:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . ويبدأ ابن فاتك كتابه بأقوال الأنبياء قبل أقوال الحكماء، وبالتالي وحدة الحضارات البشرية بالرغم من تنوعها، لا فرق بين شرق وغرب، شمال وجنوب. وإذا كان التاريخ قد تم عرضه عن طريق وصف كتب التاريخ وتصنيفها في أنواع أدبية مستقلة عن التاريخ، وتطور النوع الأدبي تاريخيا جمعا بين البنية والتاريخ، فإن القراءة تكون طبقا للموضوعات عبر كتب التاريخ. وقد يكون سبب تأليف كتب التاريخ هو أن صناعة الطب من أشرف الصنائع المذكورة في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية، يفرضها العقل والنقل، الطبيعة والوحي، وتوحيدا بين علم الأبدان وعلم الأديان. وإذا كان الخبر واللذة مطلبين للحكماء فإنهما لا يتمان إلا بالصحة، لذة الدنيا، وخير الآخرة.