تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40

وأحيانا لا يصدق ابن رشد رواية عن جالينوس ولا أبقراط، وله وجه من القياس إن شهدت التجربة به، فالرواية لا تقبل إلا بعد أن يشبه العقل والحس بها كما هو الحال في شروط الخبر المتواتر في علم مصطلح الحديث.

41

ولا يكتفي بالاستشهاد بجالينوس بفصد الدواب آخر الربيع وأول الصيف إلا لأن ذلك نافع بالتجربة.

42

والتغيرات على المريض تدرك بالحس وليس قياسا، ويتحقق ابن رشد من كل رواية طبية. ويبدو أنه اقتصر على الرواية مثل تأويل جالينوس داء الثعلب على أنه الجذام دون أن يتحقق ابن رشد نفسه من ذلك بالتجربة.

43

ومن الوافد يتصدر جالينوس على أبقراط مع أن جالينوس لم يذكر عند ابن سينا إلا مرة واحدة.

44

وربما يكون الغرض من الإسهاب في ذكر مصادر الوافد كشف مصادر ابن سينا التي أخفاها. وفي نفس الوقت يعتمد ابن رشد في نقده المحدود لابن سينا على جالينوس.

45

ويستشهد بجالينوس على صدق تحليلاته الخاصة اعتمادا على التراث العلمي مثل الحذر الذي اعترى العليل عند شرب الماء البارد. فابن رشد حلقة من تراث علمي طبي طويل، من القدماء إلى المحدثين.

46

بل ويدافع عن جالينوس ضد أي معترض يقول إن الأمراض البسيطة التي ذكرها جالينوس هي التي مع غير مادة وأنها تحدث عن الأسباب الخارجية.

47

ويعترض على نسبة أقوال خاطئة لجالينوس مثل: إن سبب شعلة العين كثرة الروح. ويعترض على بعض آرائه مثل: إن النفس تستوحش بالخلط السوداوي كما يستوحش الإنسان من الظلام. ويصفه بأنه قول شعري وليس قولا علميا، وذلك أنه يلزمه أن يكون الدم الأبيض مضيئا. كما زعم أنه لم ير بعض الأمراض في البلاد الحارة. كما يعترض على الإسكندر في قوله إن النار التي في الأسطقسات هي هذه النار المحسوسة.

48

ويقارن ابن رشد بين آراء جالينوس وأبقراط. ويعتمد عليهما في أن الأجسام تتكون من الأسطقسات الأربعة وكما بين جالينوس في كتاب «الأسطقسات»؛ إذ يجتمع كلاهما على مذهب واحد. ويعتمد عليهما معا في الغذاء وبعض الموضوعات الطبية التي يشارك فيها أيضا أرسجتجانس.

49

ويرجع بعض آراء ابن سينا إلى مصادرها اليونانية عند جالينوس وأبقراط. فقول ابن سينا إن الأبدان الحارة لا ينبغي أن تراض قول أبقراط.

50

ويعتمد على أبقراط وحده في قوله الضد شفاء الضد، وإن أبدان الأطفال تحتاج إلى وقود كثير، وإن البراز الأسود في أول المرض علامة رديئة. وقد وضع كتابا في «تقدمة المعرفة» من أجل مساعدة الطبيب على التنبؤ بالأمراض من علاماتها الأولى.

51

ويشارك أبقراط وجالينوس وأفلاطون في مذهب واحد، وهو جعل القوى الحساسة والمحركة في الدماغ على عكس المشائين الذين يجعلونها في القلب.

52

ويستشهد بأفلاطون في قسمة القوى إلى حساسة ونباتية وحيوانية وبأرسطو في أن الحيوان كثير الجماع قليل العمر.

53

ويتكلم عن القدماء واضعا الأرجوزة في تاريخ الطب مقارنا بين الأطباء المتقدمين والمتأخرين والأطباء المشائين وبين مذاهب الأطباء ومذهب الفيلسوف، ومراجعا كتب الطب، واضعا ذلك كله عند اليونانيين.

54

فما يدل عليه الاسم في لسان اليونانيين قد يدل في لسان آخر على جهة التشبيه مثل البحران. ويتحدث عن عادة اليونانيين في جزعهم من شربهم الماء البارد لمكان عادتهم وبلدهم. وقد لاحظ جالينوس توفي أحد المرضى من جراء ذلك.

55

والعجيب أن ابن رشد لا يحيل إلى «كتاب القانون» في الطب لابن سينا، ولا يستعين به في الشرح بالرغم من أنه يحيل إلى مؤلفات جالينوس وأبقراط.

56

ومع ذلك يتصدر الموروث حنين بن إسحق وابن رضوان، ثم أبو العلاء بن زهر والزهراوي والرازي وابن سينا.

57

وينقد ابن رشد ابن سينا دون أن يذكر اسمه إلا في المقدمة كصاحب الأرجوزة، ولكن في ثنايا الشرح يعيب على ابن سينا أنه نقض ذكر أمزجة الأعضاء والعلامات الدالة عليها. ولم يذكر بعض الأخلاط المشهورة، وذكر أصنافا غير مشهورة. وأنكر عليه نسبة النحوس والسعود إلى الكواكب ودلالتها على سلامة النفوس أو هلاكها في الأمراض. وهو ما يعارض العلم الطبيعي من أن أفعال الكواكب خير كلها، رأيا برأي، وكلاهما يقوم على الخلط بين العلم والأخلاق، ويتشكك في بعض توصيات ابن سينا مثل أخذ راكب البحر الأغذية الرطبة للوقاية من الدوار لأنها وصية غير طبية. كما يعترض على ابن سينا في فصد ابن الستين والسبعين، ويتشكك في علاج البخر بالفصد. ويعترض عليه لجعله البلغم سببا في عسر الولادة، وربما يكون سببا للإسقاط، ويعترض على دهن الجسم بالزيت والشمع خوفا من أثر الشمس. كما يعيب عليه عدم ذكره الحميات والأورام. لا يعني الشرح إذن مجرد بيان لفظي بل يتضمن النقد والتصحيح للأحكام.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٩٣