تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

وقد عبر ابن سينا عن الطب شعرا اعتمادا على عبقرية العرب الشعرية؛ فالشعر أداة للعلم وليس مجرد نوع أدبي. فقد طغى الذوق العربي على العلم العربي في المراحل المتأخرة لسرعة حفظه واستنكاره. وحوله ابن رشد إلى نثر علمي. ويوسع ابن رشد من شرحه حتى يخرج من إطار الطب بالمعنى الدقيق ليشمل الطب الجغرافي وعلم الفلك. فالطب ليس مجرد علم عملي للمداواة بل هو علم نظري للتشخيص، هو فلسفة طبيعية، جزء من الطبيعيات التي تشمل باقي العلوم الطبيعية.

وبتحليل أفعال القول تتصدر صيغة «يقول» إشارة لابن سينا. فهي ليست عادة خاصة بأرسطو بل بكل النصوص المشروحة. ليس فيها تبعية لأحد. بل هو أسلوب قرآني. ولا يظهر «قال» إلا مرة واحدة مما يدل على أن ابن رشد يصف حقيقة أكثر مما يتحدث عن ماض. ويتحدث في صيغة الفعل «يقول» وليس في صيغة «القول» الجاهز الذي لا شأن له بأفعال الشعور. ثم يأتي فعل «يريد» أي التوجه نحو المعنى والقصد الإرادي، وتتوالى أفعال الإدراك، أفعال الشعور المعرفي مثل: ظن، تكلم، ذكر، دعا، يحتمل، يوحي، اشترط، وافق، في المضارع أكثر من الماضي لأنه يصف أفعال شعور علمي حاضر وليس علما انقضى، ويغلب الإثبات على النفي في صيغ الأفعال. وكلها تقريبا في ضمير الغائب، وأقلها في ضمير المتكلم، إشارة إلى ابن سينا وليس إحالة إلى ابن رشد. وغالبا ما تكون أفعال القول في أول الفقرات ونادرا ما تكون في آخرها.

28

أما الأسماء فإنها أقل من الأفعال ولكنها أيضا تدل على تعامل ابن رشد مع الموضوعات الطبية مستقلة عن أفعال القول. ومعظمها أسماء إشارة أي إشارة إلى أشياء موجودة بالفعل.

وكما يستعمل ابن رشد «قال»، «يقول» فإنه يستعمل أيضا «قلنا»، تمايزا بين الأنا والآخر.

29

فإذا قال جالينوس بأن الحياة تبقى بالقوة الطبيعية فإن ابن رشد يسميها القوة الغاذية. فالتمايز بين النصين ليس فقط بين الداخل والخارج بين الموروث والوافد، دلالة على التمايز الحضاري، بل بين الماضي والحاضر في الداخل، دلالة على التقدم العلمي.

مهمة الشرح الإيضاح؛ لذلك يتكرر فعل «يعني» أو الحرف «أي». والإيضاح هو إيجاد فكر متسق بين المقدمات والنتائج في منطق محكم للاستدلال.

30

لذلك يصف ابن رشد مسار فكر ابن سينا، ويدخل في منطق استدلاله كما يدل على ذلك أفعال الشرط وجوابه، وحروف التوكيد، وأسماء الصلة.

31

ويحيل السابق إلى اللاحق واللاحق إلى السابق في صيغ «فلنرجع إلى ما نحن بسبيله.» بعد الاستطراد.

32

ويبحث ابن رشد عن العلل والأسباب التي جعلت ابن سينا ينتهي إلى مثل ما انتهى إليه. فابن رشد يراجع أحكام ابن سينا على الموضوعات نفسها كما هو الحال في تحقيق المناط عند الأصوليين.

33

فلا يشرح الطبيب إلا الطبيب لأنه لا يشرح القول بل يرى الموضوع المشترك بين المشروح والشارح، وبعد أن يتحقق ابن رشد من عدة آراء ينتهي إلى «والحق في ذلك هو ما قلناه.»

34

ويتخيل ابن رشد الاعتراض المسبق «فإن قال قائل.» ويرد عليه من أجل الحفاظ على الاتساق العقلي.

35

وقد استطاع ابن رشد إخضاع الأرجوزة السيالة إلى أقسام فقسمها قسمين؛ الأول: الطب النظري، ويشمل الفزيولوجيا والمرض والدلائل. والثاني: الطب العملي، ويشمل العلاج بالأدوية والجراحة. ويتفرع كل موضوع إلى مسائل متعددة.

36

ويضع لكل مجموعة من الفقرات تدخل في موضوع فرعي عنوانا لا تسمح به صياغة الأرجوزة، تحويلا لها من الشعر إلى النثر، ومن الصياغة الأدبية إلى الصياغة العلمية.

37

ويذكر ابن رشد بين الحين والآخر أقسام الموضوع من أجل احتوائه عقلا.

38

ويقطع فقرات الأرجوزة، وتختلف المقاطع فيما بينها طولا وقصرا.

39

تبدأ في الطب، وتنتهي بالصيدلة. فالطب علم نظري وعمل للتشخيص والعلاج.

ويركز ابن رشد على منهج الطب، البحث عن الأصول والكليات كما هو معروف من كتاب «الكليات» والتي لا تعرف إلا بالعقل والقياس، وفي نفس الوقت يبحث عن الجزئيات التي لا تعرف إلا بالتجربة، وهو المنهج الفقهي الذي يجمع بين الأصل والفرع على ما هو معروف في القياس الشرعي، بالإضافة إلى «شهادة الجميع» أي إجماع الأخبار وهو ما يعادل الإجماع، المصدر الثالث في علم الأصول. فإذا ما تعارضت الأدلة فإنه يكفي حل التعارض بشهادة الأطباء كما هو الحال في التعارض والتراجيح في علم أصول الفقه، فإذا لم ينحل التعارض فليس على الطبيب إلا الاعتماد على رأيه الخاص، وهو ما يعادل الاجتهاد، الدليل الرابع من أدلة التشريع.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٩٢