تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

ولا يوجد نقد للداخل كما هو الحال في تفسير ما بعد الطبيعة ونقد علم الأشعرية. الداخل مجرد استعمال ابن باجه والفارابي كشارحين لأرسطو واعتماد ابن باجه والفارابي في رسالتين عن العقل والمعقول والكون والفساد. ويتضح من قول ابن باجه أن العقل الهيولاني هو الملكة المتحولة من جهة ما هو مهيأ لتكون المعاني التي هي فيها معقول بالفعل هروبا من المحالات الحادثة للإسكندر، وهو أن المتقبل للصور جسم مفعول من الأسطقسات أو ملكة الجسم. ويستطيع فهم المعقولات المفارقة، وموضوع العقل الذي هو محركه بأية صفة هو ما حسبه ابن باجه متقبلا لأنه وجده تارة بالقوة وتارة بالفعل.

20

والعقل واحد بالعدد كما عبر عن ذلك ابن باجه في مقالته اتصال العقل بالإنسان. فالاتصال ممكن كما عبر عن ذلك جل المشائين.

وحسب ابن باجه أن التهيئة ليصبح الشيء معقولا هي التهيئة الموجودة في المعاني الخيالية. ويسلم في رسالته «التقديم» بأن القوة التي تحكم بها حكما عاما لا محصورة، وظن أن هذه القوة هي العقل الفاعل مع أن الحكم والفكر لا ينتسبان إلا إلى العقل الهيولاني، وحاول ابن باجه بيان هذا الاتصال في رسالته اتصال العقل بالإنسان.

21

وقد أخطأ أبو الفرج البابلي في شرح كتاب الحس والمحسوس في جعل القوة الهيولانية عقلانية وهو أيضا خطأ جالينوس.

ويظهر العلم الإلهي في تقسيم العلوم مع اعتبار علم الأخلاق علم سياسة الدول. فالأخلاق هي كل شيء، أساس الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ.

22

ويتحدث ابن رشد عن نص أرسطو كآخر، يصف مسار فكره، وطرق استدلاله. يوضح مقدماته، ويبين نتائجه. ويبدو من تحليل أفعال الفكر غلبة أفعال البيان كمقدمة في الاستدلال في عبارات مثل «بعد أن بين»، «بعد أن بين السبب»، «بعد أن بين فائدة.» وقد يكون البيان من ذاته على طريقة الكشف في عبارة «بعد أن تبين.» وقد تستعمل أفعال المعنى، فالبيان للمعنى مثل فعل «يعني». والمعنى قصد في فعل «قصد». والبيان إحصاء واستقصاء ورؤية لجوانب الموضوع كلها في أفعال «أحصى»، «استقصى». والفكر رؤية وملاحظة ومشاهدة في أفعال «لاحظ»، «رأى». ومهمة الشرح إزالة الشكوك والغموض في الفهم والتفسير؛ لذلك تكثر أفعال الشك والظن والنقد. أما باقي الأفعال فتدل على بداية الفكر مثل أفعال «بدأ»، «شرع»، أو أفعال الانتهاء إلى النتائج مثل «انتهى»، «استنتج»، «أكمل» أو أفعال وصف مسار الفكر مثل «وصف»، «اعتبر»، «قسم»، «فحص»، «حاول»، «برهن»، «بحث»، «سلم»، «وضع»، «عرض»، «أشار» ... إلخ. ولا تذكر أفعال القول إلا فيما ندر مثل «يقول»، وهي التي أخذت خطأ على أنها تدل على أن الشرح تبعية النص الشارح للنص المشروح.

23

ويعود ابن رشد على بدء، ويرجع إلى الموضوع بعد الاستطراد. وتظهر التعبيرات الإسلامية في الأسلوب العربي مثل «اللهم». ويتحدث عن الأجناس البلاغية كأسلوب في التعبير.

24

ويشرح ابن رشد الجزء بالكل، ويحيل نص أرسطو إلى مجمل كتاب النفس، ويشرح موضوعا في مقالة بإحالته إلى باقي المقالات. ويحيل إلى باقي الكتب مثل السماء والعالم وما بعد الطبيعة وكتاب الحيوان والحس والمحسوس مفسرا الجزء بالكل. فالشرح هو وضع العمل داخل مجمل النسق.

25 (2) شرح أرجوزة ابن سينا في الطب

ليس الشرح فقط للوافد، أرسطو، جالينوس، ولكنه أيضا للموروث من أجل إحداث التراكم الفلسفي الداخلي الضروري. فالوافد ما هو إلا رافد للموروث، والموروث هو المكون الرئيسي للوعي الفلسفي التاريخي.

26

والعجيب اختيار عمل لابن سينا، وهو نموذج الفيلسوف المعادي للعقل والطبيعة باسم الإشراق والفيض. ولا يوجد فيلسوف يوجه إليه ابن رشد سهامه قدر الغزالي وابن سينا، ولكن لا يوجد انتقاد كبير لابن رشد لابن سينا الطبيب، وإن كثر هذا الانتقاد لابن سينا الفيلسوف والشارح لأرسطو والصوفي، ويحدد ابن رشد الشرح كما طلب منه، إنه شرح للألفاظ من أجل بيان أغراضها دون تطويل أو إكثار، فهو شرح ملخص، يجمع بين الشرح والتلخيص للتعبير عن المعاني العلمية بالأقاويل الموزونة أي قد العبارة على المعنى مما يتطلب حذفا لبعض الألفاظ وجذبا لبعض المعاني وتوضيحها للأفهام. ويبدو أن ابن رشد كان لديه عدة نسخ من الأرجوزة يراجعها كلها، ويعرف الخلاف بينها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٩١