تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

166

ويبدو التأويل كمنهج إسلامي لا شعوريا في تفسير ابن رشد بين السطور في كثرة استعماله الظاهر والمؤول في أصول الفقه، وهو أندلسي حيث ساد المذهب الظاهري. فالتأويل منهج موروث لمعرفة قصد أرسطو والشراح، يونان ومسلمين، كيف فهم أرسطو القدماء. فالأقوال لا تحمل على ظواهرها. كل قول له ظاهر ومؤول. مهمة التأويل رفع التناقض بين الأقوال لإيجاد تناسق المذهب. قد يكون التأويل متدرج المستويات من أول إلى ثان إلى ثالث وكأن النص المشروح على سبعة أحرف. لا يعني التأويل الخروج على اللفظ بلا قرائن بل البحث عن أقرب المعاني إلى اللفظ، وأفضل تأويل ما اتفق مع الظاهر. ليس التأويل مجرد اجتهاد في الرأي بل يقوم على معيار يمكن به معرفة التأويل، هي مقولة بلاغية في مقابل الحقيقة وبالتالي تماثل المجاز. فالقوة تقال بالاستعارة وبالحقيقة. ويتحدث ابن رشد أحيانا عن الطبيعة باعتبارها عاقلة وفي وعيه

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك . فقد ألهمت الطبيعة النسب من سبب أكرم منها وأشرف وأعلى مرتبة وهي النفس التي في الأرض؛ لذلك صارت تفعل مشتاقة نحو الغرض وهي لا تفهمه كما يتكلم الملهمون بكلام لا يفهمونه. وهذا هو معنى تسبيح الطبيعة بلغة لا يفهمها البشر.

167

ويأخذ ابن رشد أمثلة من الشريعة، فيرد اللفظ لديه باستمرار كما ورد في مؤلفه الشهير «فصل المقال» الفلسفة حكمة، والدين شريعة، والشريعة لا ألغاز فيها بعكس الحقائق النظرية التي قد يعبر عنها بالألغاز والصور والأساطير لأن الآراء الشرعية متوجهة نحو العمليات مثل أولى درجات التعلم، وتستعمل بمعنى مجازي، الدستور والقانون، مثل ما ينشأ عليه الإنسان من آراء كاذبة تصبح له شريعة نظرية تكون من أعظم أسباب الخلط فيها. ويستعمل أمثلة فقهية مثل الطمث للمرأة كهيولى للإنسان، وأن الإنسان مولد للإنسان، كما يعطي أمثلة من البيئة الإسلامية الفقهية مثل علاقة السيد بالعبد، واتجاه أفعال العبد نحو السيد وغرضه، وعلاقة أهل المملكة بالملك، واتجاههم نحوه ونحو غرضه، وكذلك جميع الموجودات في تشوقها للمبدأ الأول.

168

كما تظهر البيئة المحلية الجغرافية مثل سبب خروج نهر النيل سواء كان من أرسطو أو من ابن رشد نظرا لانفتاح اليونان على الشرق وحضور الشرق في الغرب قدر حضور الغرب في الشرق، وحضور الجنوب في الشمال قدر حضور الشمال في الجنوب. كما قام ابن رشد ببعض التجارب الفلكية في الأندلس. فالشرح ليس للمشروح بل مراجعة وتصديقا وإضافة في الموضوع.

169

وتبلغ قمة الموروث في ذكر الآيات القرآنية داخل الشرح لتعلن عن مصدر التصور للعالم وأساسه. وترد أربع آيات؛ الأولى:

ما منعك أن تسجد . والثانية:

يبين الله لكم أن تضلوا

في سياق واحد لبيان أن السلب يراد به الإيجاب، وأن الإيجاب يراد به السلب، قضية منطقية نظرا لارتباط المنطق باللغة. كما يظهر القرآن لتدعيم لسان العرب مرتين في موضوع السلب والإيجاب فالقرآن شاهد لغوي لشرح التحليل اللغوي اليوناني. القرآن كتاب لغة ومنطق كما أنه كتاب حكمة. لا يصدق القول بأن الشيء موجود وغير موجود معا إلا أن يسمى الموجود وليس موجودا أو ما ليس موجودا موجود. وكلاهما يستعمل سلبا وإيجابا عند مختلف الأمم، ولكن لكل طرف لفظا خاصا للسلب أو للإيجاب. ويمكن أن يجتمع اللفظان على نص واحد كما هو الحال في لسان العرب. والقرآن شاهد على الاشتراك في لسان العرب. والثالثة:

ذق إنك أنت العزيز الكريم . لإطلاق صفة الجودة على السارق والكذاب على طريقة الاستعارة على طريق التخصيص، والرابعة:

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين

نقدا لتصور الصابئة وتأييدا لإبراهيم.

170

وتدل الفواتح والفواصل والخواتم الإيمانية بالبسملة والحمدلة والإن شاء اللهيات والله أعلميات على الجو الديني العام الذي يتم تناول المخطوط فيه بين المؤلف والناسخ والقارئ والمالك، وتختلف فيما بينها طولا وقصرا طبقا لشدة العواطف الإيمانية والانفعالات الدينية. البسملة في أول الكتاب وفي أول كل جزء، والإن شاء اللهيات والله أعلميات في الوسط بعد الإعلان عن شيء، والحمدلات والصلوات الطيبات والتسليمات على محمد وآله. وقد تضاف بعض العبارات الفلسفية مثل الحمدلات لواهب العقل أو واهب العقل والحكمة والإعلان عن قدر الاجتهاد والطاقة والوسع، وهي العبارات التي تم حذفها في الترجمات اللاتينية فتم الفصل بين القيمة والواقع مما أدى إلى أزمة الفكر الغربي خاصة العلم في العصر الحديث.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨٧