162
ويأخذ ابن رشد السوفسطائي غاريقون مناسبة يرتكن عليها للتوجه من الخارج إلى الداخل. فقد أثبت أن القوة عند الفعل فقط وأنكر تقدمها بالزمان. وهو نفس موقف الأشاعرة دون اتباعهم للوافد تقليدا. الدافع مختلف، والغاية متباينة، والإطار الحضاري متنوع. فإذ ما فند ابن رشد الرأي الوافد فإنه يقصد إلى نقد نفس الرأي الموروث بعرض حجته، وجود الشيء والقوة معا وهو مستحيل دون تقدم القوة على الفعل، ومخالف للطباع في الاعتقاد والعمل، تنأى عنه الفطرة. يستعمل ابن رشد نقد الوافد لنقد الموروث وليس لمجرد العرض الفلسفي النظري بل لإعادة استخدامه لنقد الموروث. الوافد وسيلة والموروث غاية.
163
وينقل ابن رشد الموضوع كله من مستوى الميتافيزيقا إلى مستوى الأقاويل، ومن الفكر الفلسفي إلى تحليل الخطاب سواء في الوافد أو في الموروث. من الوافد تأتي شهادة الجمع أي الإجماع مما يسهل بعد ذلك تركيب الوافد على الموروث. ثم يتم تحويل شهادة الجمع إلى الطبع والفطرة كمعيار للصدق، ولا يستطيع بعض الناس أن تتجاوز بفطرها الأقاويل الجدلية إلى الأقاويل البرهانية. فإذا اعترفوا بالمعقولات فإنهم يعترفون بها من جهة أنها مشهورة أو إنكار كثير منها متى كانت أضدادها مشهورة. وفي الموروث يتم الانتقال إلى علم الأشعرية كنموذج للأقاويل المشهورة لهذا النوع من الكلام المسيء بعلم الأشعرية مثل: إنكار تكون الموجود من لا شيء أي من العدم مع أنها قضية أجمع عليها الأوائل، إنكار بعض الفلاسفة «ممن يتعاطون الحكمة» سخرية بهم أنها أولوية، إنكار اختصاص الصور النوعية بموادها مثل قول ابن سينا بالتولد الطبيعي موافقة لأهل زمانه قبل مباشرته لعلم الأشعرية. وهناك أشياء أخرى يطول تعديدها عن علاقة ابن سينا بعلم الأشعرية. ويلاحظ أن الأشعرية لا تنكر الخلق من عدم بل أصحاب الطبائع، وأن إنكار ابن رشد للخلق الطبيعي ودفاعه عن نظرية الخلق التقليدية لا يتفق مع القول بقدم العالم.
وبعد أن ينتقل ابن رشد من المتكلمين إلى علم الكلام، ومن الفرقة التاريخية إلى نمط الفكر، ومن الميتافيزيقا إلى الأقاويل يحلل الأسس النفسية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية للمعرفة الإنسانية. فما يعوق الإنسان عن معرفة الحق في المعارف الإنسانية ما تعود عليه الناس منذ أيام الصبا من آراء تتجاوز أحيانا الفطر الذكية وتصرفها في المعرفة.
164
واستعمال الألغاز في التعبير عن الحق النظري أسهل لتعليم الجمهور، وأشد إيحاء إقناعا وتأثيرا لنيل الفضائل العملية لأن الآراء الواردة في علم ما بعد الطبيعة آراء ناموسية وضعت لغاية عملية وهو طلب الفضيلة وليس للبحث النظري المجرد عن الحق. والكل لا يصلح للآراء النظرية؛ لذلك لم يطالب الشرع بها. في حين أنه لا يتم وجود الناس إلا بالاجتماع، ولا يتم الاجتماع إلا بالفضيلة، ومن هنا أتت ضرورة الفضائل للناس.
165 (ه) التأويل والشريعة
وبعد أن يقوم ابن رشد بالنقل الحضاري عن طريق اللغة، فناموس اليونان هو شرع المسلمين، ينقل الموضوع كله من الواقع اليوناني إلى الواقع الإسلامي منتهيا إلى أن تعلم الفتيان عندنا العلم المسمى بعلم الكلام يمنع الإنسان من معرفة الحقائق ويؤدي إلى إفساد الناس. الغاية منه نصرة آراء مسبقة وليس البحث عن الحقيقة، الإيمان أولا ثم الفكر ثانيا. يستعمل أي نوع من الأقاويل حتى ولو كانت سوفسطائية جدلية خطابية شعرية، فالقول مطابق للغرض. ثم يتحول إلى أمور مشهورة من كثرة التعود على سماعها مثل إنكار وجود الطبائع والقوى، رفع الضرورات الموجودة في طبيعة الإنسان وجعلها كلها ممكنة، إنكار الأسباب المحسوسة الفاعلة، إنكار الضرورة المعقولة بين الأسباب والمسببات. وتحتج بدعوى وجود العلة الأولى والسبب الأول الذي يعلم كل شيء وأمور لا نهاية لها، وتصدر عنه أمور لا نهاية لوجودها.