160
وأحيانا يتم الانتقال من الفرقة إلى نمط الفكر، ومن الكلام إلى الفلسفة، ومن العقيدة إلى النسق. فالكلام باعتباره نطقا يعني إثبات العلة الأولى دون العلل الثانية. الموجودات كلها لها فاعل واحد هو الله. واستعمال لفظ «الله» وليس العلة الأولى أو المحرك الأول يدل على أن المقصود هم الأشاعرة الذين ينكرون التعليل وطبائع الأشياء وذواتها وكثرتها وتعددها حتى صار الوجود شيئا واحدا؛ وبالتالي ارتفاع الأسماء والحدود. وهو رأي غريب عن طبائع الإنسان والفطرة البشرية. وسبب الخطأ هو سد باب النظر بالرغم من ادعاء النظر ، وإنكار أوائل العقول أي إرجاع الموضوع إلى المنهج، إلى قضية العقل والنقل. والخطورة في النتيجة، التوهم بأن الشريعة لا يصح اعتقادها إلا بهذا الوضع، وهذا جهل بالشريعة ومكابرة لإعلانهم إلا من تغلبت عليه قوة الانقياد والطاعة لها بالعادة والألفة وإغراق الناس في الوحدة لأنها لا تعرف الكثرة، ورد كل شيء إلى الله مما يؤدي إلى إبطال عقول الناس وإفساد قرائحهم.
161
ويضع ابن رشد المتكلمين في تصور مذهبي تاريخي عام لعلاقة الأسباب بالمسببات لا فرق بين فرق إسلامية وفرق غير إسلامية. بين مسلمين ونصارى ويونان على النحو الآتي:
يقول الجميع بالفاعل والكمون ولكن الخلاف في علاقة الاثنين بعضهما بالبعض الآخر. وهناك طرفا نقيض ووسط مما يدل على بنية الفكر، المطابقة للتاريخ أو جواز اكتمال عناصر البنية دون تحققها في التاريخ، ولا يضع ابن رشد أسماء الفرق التي تقول بالكمون، هل الطبائعيون اليونان أم أصحاب الطبائع من المعتزلة؟ ولا يقول كل المتكلمين بالاختراع. وابن رشد نفسه يقول بالاختراع في دليل العناية والاختراع الذي يثبت به وجود الله ضد أدلة الأشاعرة الضعيفة، الجوهر والأعراض، والجزء الذي لا يتجزأ، والممكن والواجب. وابن رشد أقرب إلى أرسطو الذي يجمع بين الكمون والاختراع. كما يضع ابن رشد ابن سينا والفارابي مع أفلاطون لقربهم من اعتقاد المتكلمين من أن فاعل الأشياء واحد، وأن الأشياء لا تؤثر في بعضها البعض حتى لا تتسلسل الأسباب الفاعلة إلى ما لانهاية، مما أدى إلى القول بفاعل غير ذي جسم. ويرى ابن رشد أن إثبات فاعل غير ذي جسم لا يتم بهذه الطريقة لأنه لا يمكن أن يغير العنصر إلا بواسطة جسم غير متغير وهي الأجرام السماوية. وتستحيل الصور المفارقة أن تعطي صورا مخالفة للهيولى. ويقول أرسطو وجالينوس بالقوة الطبيعية في الزرع وهي النفس النباتية وهو موقف ابن رشد.
والموضوع الثاني الذي يعرض فيه ابن رشد للمتكلمين هي نظرية المثل عند أفلاطون أي موضوع الصور المفارقة ونفي أرسطو وابن رشد لها. وهو لا ينفصل عن الموضوع الأول، وهو العلة مع بعض الاستطراد والتكرار. وقد أدى توهم اختراع الصور إلى القول بواهب الصور، والإفراط في هذا التوهم هو الذي دفع المتكلمين إلى القول بالخلق من عدم وليس الحكماء، وفي الملل الثلاث وليس المسلمون وحدهم، فابن رشد يحكم حكما حضاريا عاما. ويقرأ ابن رشد المتكلمين من جديد بمصطلحاته الخاصة مثل الإبداع والاختراع كما عرض في «مناهج الأدلة». يعتمد المتكلمون على قياس الأولى، إن جاز اختراع الصورة فالأولى اختراع الكل. ويرى ابن رشد أن توحيد الفاعل جهل بتعدد الأسباب، جهل بعلاقة العلة بالمعلول والتعليل المتبادل، ووقوع في الاغتراب بالقضاء على العلل المباشرة في سبيل العلة القصوى التي تفعل أفعالا متضادة ومتفقة لا نهاية لها؛ وبالتالي إنكار التعليل. ضحوا بالكثرة من أجل الوحدة، وبالعلل المباشرة من أجل العلة الأولى، وبالأفقي من أجل الرأسي. ويرجع السبب في ذلك كله إلى إعطاء الأولوية للعلم الإلهي على العلم الطبيعي، كما ينكر المتكلمون الإعدام أي الفناء وهو ما يقابل الخلق، فالفاعل لا يقدر على الإعدام؛ ومن ثم يقعون في تناقض، الانتقال من العدم إلى الوجود ممكن، والانتقال من الوجود إلى العدم مستحيل. وعند ابن رشد إذا كان الإبداع من القوة إلى الفعل ممكنا فإن الإعدام من الفعل إلى القوة ممكن أيضا. الصور موجودة بالقوة في المادة الأولى وبالفعل في المحرك الأول. فالخلق طبيعي، والحقيقة أنها كلها حجج جدلية لإثبات سوء استعمال المتكلمين للعقل على نحو جذري وليس فقط وفقا لأهوائهم، وهو يشبه نقد ابن حزم للأشاعرة لإنكارهم السببية. ربما لا يختلف بديل ابن رشد، العناية والاختراع عن الخلق والعلة الأولى إلا في الألفاظ، ربما قصد هز القناعات القديمة الموروثة في الثقافات الشعبية وطرح البدائل من جديد لاستئناف الفكر الفلسفي.