تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الرافد الحضاري إلى البنية الثقافية مثل اقتناع تكون الشيء من عدم. (6)

من البنية الثقافية إلى النظم الاجتماعية، وتخوف ابن سينا من الإعلان عن نظرية التولد الذاتي موافقة لأهل زمانه.

158

ولما كان علم الكلام باعتباره تاريخ الفرق يتضمن في داخله الفرق غير الإسلامية يظهر في تفسير ما بعد الطبيعة الكلدانيون والصابئة، وأصحاب الشرائع الكبرى والنصارى الأقدمون في مقابل قدماء اليونان. فهل عرف اليونان الكلدان؟ بطبيعة الحال، فقد كان الشرق، مصر وبابل وفارس حاضرة في الثقافة اليونانية منذ نشأتها وأحد مصادرها. كانت عادة أرسطو احترام القدماء وذكر تواريخهم والرواية عنهم، وكذلك كان ابن رشد تأصيلا للفكرة في التاريخ وكما يروي القرآن مع قصص الأنبياء. ولما لم يتقدم أرسطو أحد استشهد بأقاويل الكلدانيين الذين كانوا يظنون أن الحكمة كملت عندهم إلا أن ما بقي منها يجري مجرى الكفر، قراءة إسلامية للحضارات القديمة. فكل شعب يتصور أن التاريخ قد انتهى عنده. الكلدانيون، والمصريون، واليونان، واليهود، والمسيحيون، والمسلمون.

159

عبروا عن آرائهم وعقائدهم في رموز وألغاز ليس بها من الحق شيء. المقصود بها اقتناع الناس لإصلاح أخلاقهم كما هي الغاية من النواميس. فاللغز أو الرمز عند ابن رشد باطل نظريا وإن كان الهدف منه إصلاح الأخلاق عمليا شأنه شأن الشرائع والقوانين. أشرف المطالب في الله عندهم أن يعمل الإنسان ما يعقل ويتشوق إليه بطبعه؛ لذلك سمي الرأي الأبوي أو رأي الآباء وفيه شك كبير. فماذا يعقل الله سبحانه مستعيدا ابن رشد التصور الإسلامي بألفاظه كوعاء للحكم على التصور الكلداني؟ أما الصابئة فقد زلت مع علمائها بعبادة الكواكب؛ لذلك رد القرآن عليهم

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين . أما أصحاب الشرائع فهم في الغالب الملل الثلاث؛ اليهودية والمسيحية والإسلام بالرغم من ذكرهم في سياق القدماء الأوائل من الطبيعيين واتفاقهم على المبدأ الأول لجميع المتكونات كأحد العناصر الأربعة على خلاف ما قاله أصحاب الشرائع مع أن الإسلام يقر بالطين لخلق آدم وبالماء الذي منه خلق كل شيء حي، ويذكر ابن رشد النصارى بمناسبة دلالات الأسماء على المسميات، الصورة والهيولى، والتعرض للذات والصفات وعلاقتيهما بعلم الكلام عند الأشاعرة، ورفض علاقتي المساواة والزيادة، والقول بالوحدة والكثرة، وإظهار الجهة واللفظ، ثم رفض التثليث لاستحالة تعدد الجوهر الواحد في ثلاثة واجتماع الثلاثة في واحد. أقصى ما يمكن الدفاع عنه هو أنه تغاير في الذهن لا في الوجود؟ يأخذه الذهن على أنه جهة أشبه بالأشياء المركبة من جهة المتحدة وليست معاني متغايرة لواحد، والموضوع الثاني وحدة الفاعل عند المتكلمين المسلمين والنصارى مثل يحيى النحوي وإنكار العلل المباشرة كما رفض ابن رشد جعل الأشاعرة الأوصاف زائدة على الذات وإلا لزمهم أن يكون الواحد زائدا على الذات والأوصاف، ولزمهم التركيب وكل مركب محدث، ولو كانت تتركب بذاتها لكانت أشياء تخرج من القوة إلى الفعل بذاتها وتتحرك بذاتها من غير محرك. الله حي وله حياة معنى واحد بالموضوع، اثنان بالجهة لا أنهما يدلان على معنى واحد مثل الأسماء المترادفة كالبعير والجمل ولا على معنيين كما هو الحال في الأسماء المشتقة مثل الحياة التي لا في موضوع، والحي الذي في موضوع، الأشياء التي هي صورة في غير هيولى كالموصوف والوصف، معنى واحد بالوجود، واثنان بالاعتبار أي وصف وموصوف. كل ذلك بمناسبة دلالة الأسماء والأشياء التي هي في صورة في هيولى ثم الانتقال منها إلى مشكلة الذات والصفات، ورفض المساواة والزيادة كعلاقتين، والقول معا بالوحدة والكثرة على سبيل الجهة واللفظ. ومع ذلك فهي أقرب إلى النفي، وقد أخطأ ابن سينا في اتباعه نمط الأشعرية في اعتبار الواحد والموجود صفات زائدة على الذات بالرغم من تفرقتهم بين الصفات المعنوية والصفات النفسية، والنفس ليست زائدة على الذات، وكأن ابن رشد يقترح من طرف خفي التحول من الأشعرية إلى الاعتزال من داخل الأشعرية ذاتها بالتفرقة بين الصفات المعنوية والصفات الذاتية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨٤