تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك .

155

هذا هو كشف التشكل الكاذب وإعادة التعبير عن مصطلحات ما بعد الطبيعة؛ السبب الأول، العلة الأولى، المحرك الأول، الجوهر الأول بمصطلحاتها الإسلامية؛ الواحد، الوحدانية، الخالق، الله سبحانه وتعالى، والشريعة التي بها تتم عبادة الخالق. وللحكماء شريعتهم الخاصة وهو الفحص عن جميع الموجودات لأن الخالق لا يعبد إلا بمعرفة مخلوقاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته، وتلك أسمى الطاعات. ويدعو ابن رشد الله ويبتهل إليه أن يجعله وإيانا ممن شرفهم الله بهذه الطاعة طبقا لشريعة الحكماء. الحادث طريقة لمعرفة القديم، والممكن للواجب في علم أصول الدين، والطبيعيات مقدمة للإلهيات في علوم الحكمة، والحكمة في مخلوقات الله عز وجل في التصوف، وأولوية الواقع على الفكر في أسباب النزول. فالمفكر والقارئ مثل المشروح والشارح مشروع فكري واحد. ويرفض ابن رشد التشبيه في العلم الإلهي، ومن يشبه الله في صورة بشرية أو يتصوره بشرا. فالدين سر كالله مثل عديد من الشرائع زمان ابن رشد. ربما يقصد النصارى في تخليد المسيح، والشرائع هي الديانات ولكن ابن رشد يستعمل لفظ الفقهاء. فالدين شريعة، وكما عبر عن ذلك في «فصل المقال». والعقل التوحيدي الجديد أساس الفهم والشرح والتعبير عن الآخر في الذات. هذه هي خلاصة الحكمة النقلية، وهو الحوار بين الحضارات وليس تدمير ثقافة الآخر للأنا أو طرد ثقافة الأنا للآخر.

156

إن كل الذين تحدثوا في الأمور الإلهية كانوا يهدفون إلى إقناع أنفسهم وليس إقناع الآخرين أي إيجاد الاتساق مع النفس وتبرير عقائدهم وليس لغيرهم. جعلوا الأوائل آلهة من طبيعة واحدة إلهية وهي طبيعة الأشياء المتكونة، وجعلوا الآلهة الفاسدة من غير الفاسدة. فالأوائل التي لم تشرب ولم تطعم من مكان معين تموت . وغيرها التي شربت وطعمت من المكان لم تمت، وهو تصور مادي للآلهة من أبيقورس وكأن الخلود يأتي من الطعام والشراب. والأوائل والآلهة هنا ترمز للفضائل والقيم.

157 (د) الأشعرية والكلام

ويتحدث ابن رشد عن أهل الملة والزمان (الأشعرية) وعن «المتكلمين من أهل زماننا» و«أهل ملتنا» أي الفرق الكلامية والتيارات الفكرية في عصره وهم المتكلمون والأشعريون والأشعرية وعلم الأشعرية والمتكلمون من الأشعرية، والحديث عن المتكلمين من الأشعرية يقصد به السخرية بقلب الخاص والعام. فالأصح الأشعرية من المتكلمين. فالمتكلمون أعم من الأشعرية لأن هناك متكلمين غير أشاعرة، وليس كل المتكلمين من الأشعرية فالعام لا يتبعض من الخاص بل يتبعض الخاص من العام. وعلم الكلام انتقال من العام إلى الخاص، المتكلمون، الأشعرية؛ أو من الخاص إلى العام، الأشعرية، المتكلمون، الكلام، الفرق غير الإسلامية. يختلط علم الكلام بالأشعرية دون غيرهم لأنهم ليسوا حكماء بل متكلمين، سادوا علم الكلام باعتبارهم الفرقة الناجية، فرقة السلطان، وسادوا كرواة ومؤرخين مدحا لأنفسهم ونقدا لخصومهم. وصلت كتبهم الأندلس دون كتب المعتزلة نظرا لسيادة الفقهاء الأشاعرة في الأندلس.

ثم يتحول الخاص إلى عام، ويتحول الأشعريون والأشعرية من فرقة كلامية تاريخية إلى نمط فكري خالص «علم الأشعرية». يتحول الشخص إلى مذهب، والمذهب إلى علم، والعلم إلى تيار تاريخي، والتيار التاريخي إلى رافد حضاري، والرافد الحضاري إلى بنية ثقافية، والبنية الثقافية إلى نظم اجتماعية على النحو الآتي: (1)

من الشخص إلى المذهب، من الأشعري إلى الأشعرية. (2)

من المذهب إلى العلم، من الأشعرية إلى علم الأشعرية. (3)

من العلم إلى التاريخ، من علم الأشعرية إلى تيار يشارك فيه ابن سينا. (4)

من التيار التاريخي إلى الرافد الحضاري، من الأشعرية وابن سينا في مقابل رافد حضاري آخر من المعتزلة وابن رشد. (5)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨٣