تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

150

وكل ما أطلق عليه الجوهر الأول، المبدأ الأول، هو الله سبحانه، وهو ليس موضوع علم الطبيعة لأن الأول متقدم بالوجود والشرف والسببية أي السابق على الوجود والذي يفسر نشأته كافتراض عقلي ثان، الشيء من اللاشيء في مقابل الافتراض الأول الشيء من الشيء، ويضعف ابن رشد الأول ويبرهن على صحة الثاني. وهو حي أزلي عند أرسطو؛ لذلك جعل العقل فاضلا مثله. وينتقل ابن رشد من اليونان إلى المسيحية. فالله واحد، والتثليث تغاير في الذهن لا في الوجود. وهو أزلي في غاية الفضيلة، وهو حياة متصلة وهنا تصبح صفات الله في الموروث الوعاء الذي يصب فيه الوافد.

151

يصب العلم الطبيعي والعلم الإلهي في المنطق أي في العقل أي في النفس. والعقل يوجد دائما بالفعل. وهو أفضل من العقل الذي في الإنسان الذي يوجد مرة بالقوة ومرة بالفعل، وكلاهما يدرك لذاته ويجد لذته في هذا الإدراك. وهو في الإنسان وقتي وفي الله على الدوام؛ لذلك كان الإله حيا عالما لأنه عقل يعقل ذاته بذاته، لا يعقل غيره. حياته ذاته والعلم ذاته. وهنا يصب الوافد في الموروث، نظرية الذات والصفات والأفعال، والعلم والحياة والعقل مكان التعشيق. العلم أخص صفة له وهو ما احتوت عليه الفلسفة الأولى، والعلوم الخاصة مثل العلوم الجزئية وعلاقتها بالفلسفة الأولى، وهنا يحدث التشكل الكاذب، استبدال العلم الإلهي بالفلسفة الأولى.

152 (ج) النفس والعناية

والنفس على صلة بالله كما هو معروف في نظرية الاتصال. يراها أفلاطون وقد حدثت عن الآلهة الثواني. ويرى أرسطو أنها حدثت عن الشمس والفلك المائل؛ لذلك يشبه أرسطو قواها بأنها القوى الصناعية. ويقول إنها إلهية ما دامت فيها القوة على إعطاء الحياة مثل العقل لأنها متجهة نحو غاية. وارتباط الله بالنفس هو بداية الإشراق وفي نفس الوقت بداية الإنشاء والتشخيص الإنساني سواء في الصفات، العلم والقدرة والحياة، أو في الأفعال مثل العناية. ويكثر ظهور أفلاطون في العلم الإلهي. كما يبدو في العلم الإلهي التصور الشعري للطبيعة خاصة العلوية، الشمس والأفلاك. لذلك كان دين الصابئة حلقة اتصال بين دين الطبيعة ودين الوحي أقرب إلى إبراهيم. وهم من أهل الكتب. وربما كان السؤال عن الأهلة وتحويلها إلى منافع ومواقيت للناس والحج تصحيح لعبادتها.

153

وأشرف المطالب في الله أن يعلم ماذا يعقل ويتشوق إليه كل إنسان بالطبع. عرفه الكلدانيون وسموه الرأي الأبوي أو رأي الآباء. ولكن ماذا يعقل الله؟ إنه أشرف الموجودات أي في غاية الفضيلة والشرف والكمال، كرمه من فضله مثل عقل العقلاء واستفادتهم الفضيلة بفعل العقل. العقل الإلهي في غاية الفضيلة والتمام. ومن يعقل غيره يتغير، وكل ما يتغير يتغير إلى ما هو أشر، وهذا مستحيل على الله. التغير حركة من القوة إلى الفعل. وكل حركة عن محرك؛ ومن ثم يكون الله منفعلا ومحركا عن غيره، وهذا مستحيل. إن المبدأ الذي في غاية الكرم والفضيلة يستمد كرمه بفعله مثل منزلة العقل من العقلاء أي أنهم يستفيدون الفضيلة بفعل العقل. فإن كان الإله يعقل الأشياء الخسيسة فيكون كرمه وفضله بفعل الأشياء الخسيسة، ويكون فعله من أخس الأفعال وهو مستحيل.

154

وهكذا يحدث التشكل الكاذب. يتم استبدال الله في الموروث بالإله في الوافد. ثم يتحول إلى إشراقيات في النفس. يكشف العلم الإلهي عن عالم القيم، الأشرف في مقابل الأخس، والغنى في مقابل الفقر، والجمال في مقابل القبح، والثابت في مقابل المتحول. وانعكس ذلك كله في الثقافة والمجتمع، وغلبت عليه قيم الأخس والفقر والقبح.

ويظهر مفهوم العناية من الموروث ليصبح الوعاء التصوري لكل مفاهيم الوافد عن حركة الكواكب والعشق والمحرك الذي لا يتحرك. فهناك عناية الله بجميع الموجودات بمعنى حفظها بالنوع إن لم يكن حفظها بالعدد شخصا شخصا إلا بمعنى دخول الشخص تحت النوع. أما الشخص المفرد الذي له عناية خاصة دون غيره فإنه تصور معارض لعموم الجود الإلهي العام والشامل لكل الأشخاص. وهنا يجمع ابن رشد بين قانون العناية عن طريق بقاء النوع للحفاظ على عقلانية الوافد ومفهوم العناية المنزه عن الأغراض والميل نحو الأشخاص من التعالي في الموروث. ويضع ابن رشد العناية في إطارها التاريخي في جدل الأفكار بين إثبات العناية لكل شخص ولكل فرد ولكل موجود؛ لذلك غاب الشر وعم العدل، فأحدث رد فعل عنادي بإنكار العناية أصلا نظرا لوجود الشر في العالم. ثم يتوسط ابن رشد برأي ثالث جدلي وهو إثبات العناية للنوع وليس للشخص وأن ما يحدث في العالم من شر من ضرورة الهيولى لا من قبل تقصير الفاعل حتى لقد أخطأ البعض في تصور وجود إلهين، إله للخير عندما تحضر العناية وإله للشر عندما تغيب، لا فرق في ذلك بين أرسطو وابن رشد. فابن رشد يقرأ أرسطو، وفي هذه القراءة يتوحد الوافد والموروث. وقد يقصد ابن رشد العناية عند الأشاعرة للأشخاص ثم إنكار العناية عند الطبائعيين ثم عموم العدل وشموله عند المعتزلة في شمول الاستحقاق. ثم ينقل الموضوع كله من علم الكلام إلى الفلسفة مطورا الثقافة الدينية إلى ثقافة فلسفية خالصة، ثم يركب الوافد على الموروث. وقد يعاب عليها إرجاع الشر إلى طبيعة المادة وليس إلى حرية الاختيار. فالمادة ليست شرا لأن الطبيعة لا تفعل شرا، ولا تخلق باطلا

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨٢