تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

144

وكلاهما يعبر عن البعدين في الإنسان، المثال والواقع.

ويدل على ذلك استحالة الفصل بين العلمين، وهو ما يعيبه ابن رشد على ابن سينا ويقع فيه. موضوع العلم الطبيعي أوائل الجوهر ومبادئه، يتكفل العلم الإلهي ببيانها، والعلم الطبيعي يضعها وضعا. فالعلم الإلهي هو علم المبادئ الأولى للعلم الطبيعي مثل فلسفة العلم أو علم العلم أو نظرية العلم؛ لذلك سماه أرسطو والكندي الفلسفة الأولى.

145

ما بعد الطبيعة الاسم التاريخي، الفلسفة الأولى الاسم الأرسطي، والعلم الإلهي من المنظور الديني الإسلامي أو المسيحي، ومع ذلك فإن الفلسفة الأولى تستمد مادتها من العلم الطبيعي في مبادئ الجوهر من حيث هو متحرك. وينظر العلم الإلهي في مبادئ الجوهر من حيث هو جوهر ثابت، انتقالا من الجزء إلى الكل، ومن التاريخ إلى البنية، ومن الحس إلى العقل، ومن الاستقراء إلى الاستنباط. أما الأجرام السماوية التي يتشكك البعض في كونها مبدأ الكل فإن وجودها مثل مبادئ الجوهر المحسوس في علم الطبيعة ومبادئ الجوهر اللامحسوس في العلم الإلهي، وحتى لا تتسلسل المبادئ إلى ما لا نهاية لزم أن يكون للمبادئ مبدأ وهو ما تجيب عليه علم التعاليم بالأجرام السماوية عبر الضباب أو الظلمة أو أحد العناصر الأربعة.

146

وإذا كان موضوع العلم الإلهي العلة الأولى أو المبدأ للجسم الإلهي، فهذه التعبيرات تكشف عن العلمين معا مثل العلة والجسم سواء عند الفلاسفة أو المتكلمين الذين جعلوا الله شيئا طبقا لآية

ليس كمثله شيء .

147

تصور اليونان قبل كون العالم حركة دائمة غير منتظمة التي يقول بها أفلاطون ثم صار الله بها إلى نظام، وأظهرها في الشمس؛ لذلك قال المتقدمون إنها رب الحياة، وحركة الأجرام السماوية حركات إلهية لأن الأجرام أجسام إلهية. وكان أرسطو أول من وقف على هذا المبدأ ولم يتوصل إليه أحد من قبل. ويعتبر ابن رشد ذلك مجرد ألغاز في حاجة إلى تأويل. فإذا كان المقصود الجواهر الأول التي هي مبادئ الأجرام السماوية فالقول صحيح. وهو ما قصد به القدماء عندما قالوا إنها إلهية. والآراء الفلسفية تصح وتبطل عبر العصور كما هو الحال في عديد من الصنائع. الجرم إلهي نظرا لقربه من الفلك به إله وبه طبيعة، عنصر متوسط بين الله والعالم مثل الإنسان؛ لذلك ارتبط بالإنسان وارتبط الإنسان به. كما ارتبطت الآلهة بالأجرام السماوية عند القدماء وعند الكلدانيين قبل اليونان.

148

ويرد العلمان معا كعلم واحد إلى علم المنطق. فالعلم طبيعيا أو إلهيا من وضع الذهن؛ لذلك كان العلم الإنساني هو أساس العلم الطبيعي والعلم الإلهي معا من أجل القضاء على التشخيص والتجميد في العلم الإلهي تشبيها للعالم المفارق. فالقول بالصور المفارقة للأشياء تعني أن الإنسان والزورق والإله شيء واحد. الكل خاضع للسلب والإيجاب. فتتعلق الظنون المتقابلة بالشيء الواحد. كذلك لا فرق بين السلب المقيد والسلب المطلق أي صدق الإيجاب المطلق على السلب المطلق، وصدق الإيجاب المقيد على السلب المقيد ما دامت الأشياء كلها واحدة، وما دامت الأشياء تشترك في شيء مادي واحد. فطبيعة الصنم مثل طبيعة النحاس؛ لذلك اعتقد الناس أن الأصنام آلهة. ولا يمكن تخصيص علم رابع للمقولات الكلية كأمور موجودة خارج النفس وأنها صور للموجودات لأنها أولا لا توجد خارج النفس، ثانيا لأنها تجريد للأمور المحسوسة كما هو الحال في المنطق وعلم التعاليم وأبعد عن الطبيعة.

149

وتشخيص علم ما بعد الطبيعة في الإلهيات هو عود لتدخل الإنسانيات في علم ما بعد الطبيعة للتقليل من تجريدها وصوريتها، ولا تقتصر هذه الإلهيات المشخصة على الفكر الديني الإسلامي وحده بل تعم الفكر الديني كله قبل الإسلام وبعده. فقد تصور أنبادقليس أن الغلبة علة الفساد وأن جميع الأشياء تكونت من هذه الغلبة إلا الواحد؛ الله تعالى. ويعيد ابن رشد التعبير عن علم ما بعد الطبيعة الذي استبدل لفظ الواحد بألفاظ الموروث، الله تعالى كاشفا عن ظاهرة التشكل الكاذب المزدوجة التعبير عن الموروث بألفاظ الوافد والتعبير عن الوافد بألفاظ الموروث. فالواحد هو الله تعالى. والإله عند أنبادقليس هو الفلك الذي تكون من العناصر الأربعة والمحبة دون العداوة في حين تتكون الموجودات الأخرى من اجتماع العناصر الأربعة والمحبة والعداوة. ومن الغلبة تتكون الأشياء والرجال والنساء والسباع والطير والسمك والآلهة طويلة الأعمار. كما وقع في شناعة أخرى عندما جعل الله عز وجل الكامل في السعادة أقل علما من غيره لأن العلم يكون بالتشبيه والله ليس به غلبة ومن ثم لا يعرف الغلبة ولا ما تولد عنها فيكون أقل علما من الموجودات مع أن أنبادقليس يستعمل قياس الغائب على الشاهد في معرفة الشبيه بالشبيه، ومعرفة المجهول من المعلوم. يعيد ابن رشد إنتاج أنبادقليس بناء على التصور الإسلامي ابتداء من مستوى الألفاظ من الإله إلى الله إلى مستوى التصور، الإله المادي إلى الله الذي ليس كمثله شيء، والقول بمبدأي المحبة والغلبة مثل القول بإلهية الخير والشر، ثنائية تضاد الوحدانية. جعل أنبادقليس المحبة العلة الموجبة لكل شيء، وتعني الواحد لأن علة الوحدانية واحد بذاته. وعند أرسطو الصور الهيولانية هي المولدة لذاتها كما هو الحال في البذور. أما المتكونة من ذاتها فالأجرام السماوية. وكلاهما قوة طبيعية إلهية مثل القوة الصناعية في الأشياء، ولكنها ليست عاقلة لذاتها ولا مفارقة. فأرسطو هنا يقول بالخلق عن طريق توسط قوى طبيعة إلهية وليس الخلق من عدم مع ابن رشد حتى إن جالينوس يتساءل: هل هي الخالق؟ وتعظيمها يدل على الانتقال من العلم إلى الأدب، ومن العقل إلى الذوق، خلطا بين الخبر والإنشاء، بين الحقيقة والمجاز، بين العقل والخيال.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨١