تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويذكر ابن رشد أستاذه ابن باجه في التاسعة من تفسير ما بعد الطبيعة في نظرية الاتصال تأكيدا من ابن رشد على أن الاتصال بالعقل المفارق يتم بقوة في العقل النظري عند كماله وليس بقوة فكرية عن روية كما يقول ابن باجه؛ فالعقل عند ابن باجه بالفعل وعند ابن رشد بالقوة في الاتصال بالعقل الفعال. وهو من أضعف النقاط عند ابن رشد التي لم يستطع أن يتخلص منها. وماذا عيب القوة التي تحدث للعقل بروية وفكر، وهما أقرب إلى العقل الخالص عند ابن باجه، هنا يبدو ابن باجه أكثر عقلانية من ابن رشد، وابن رشد أكثر إشراقية من ابن باجه.

141

وتدل ألفاظ واهب، معط، أعلى، وأسفل، على تحول علم ما بعد الطبيعة إلى صياغات إنشائية تدخل فيها انفعالات النفس.

كما يذكر ابن رشد يحيى النحوي وملة النصارى مع المتكلمين وابن سينا، فالحضارة الإسلامية واحدة. فيحيى النحوي نصراني وشارح لأرسطو مع الشراح المسلمين، عربي يكتب بالعربية. فعنده لا يوجد إمكان إلا في الفاعل فقط. كما شك على المشائين نظرا لاستقلاله عنهم.

142 (ب) العلم الطبيعي والعلم الإلهي

ويحدد ابن رشد الصلة بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي. فبعد أن يبين ابن رشد خطأ ابن سينا في الخلط بين العلمين يضع تصوره الخاص للصلة بينهما مع مراجعة نقدية للموضوع في تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان والمسلمين على حد سواء. ويبدأ بتصنيف العلوم في ثلاثة؛ العلم الطبيعي لدراسة الجواهر المتكونة، وعلم التعاليم لدراسة صور الجواهر المادية، والعلم الإلهي لدراسة المبادئ الأول وعلل كل شيء؛ لذلك كانت الأجرام السماوية موضوع العلم التعاليمي عالما متوسطا بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي. والعلوم الإنسانية الإرادية تدخل مع العلم الإلهي مما يدل على ارتباط الإلهيات بالإنسانيات فيما يتعلق بعلم النفس ونظرية الاتصال وبعلم الأخلاق، الخير والخير الأقصى والسياسة والاجتماع، نظام المدينة وشرف الرئاسة فيها. وتتفاوت مراتب العلم طبقا لتفاوت مراتب الشرف لموضوعاتها. وأشرفها وآثرها موضوع العلم الإلهي. وهذا يدل من جديد على البعد الإنساني في الإلهيات. وإنها تشخيص إنساني لعلم ما بعد الطبيعة. ولا تختلف كثيرا هذه القسمة الثلاثية عما قاله ابن سينا من قبل من أن الموجودات إما قبل الكثرة (ما بعد الطبيعة) أو مع الكثرة (الرياضيات) أو بعد الكثرة (الطبيعيات).

143

ونظرا لأن علم التعاليم علم الأعداد فإنها أقرب إلى الصور المفارقة وبالتالي فهي أقرب إلى العلم الإلهي منها إلى علم الطبيعة؛ وبالتالي يكون التقابل بين علمين فقط وليس بين ثلاثة علوم، الطبيعي والإلهي، العالم والله. بل إن الإنسانيات كنظرية في الاتصال أقرب إلى العلم الإلهي منها إلى الطبيعي. فالوسطان الرياضيات والإنسانيات أقرب إلى العلم الإلهي منذ الفارابي وإخوان الصفا حتى ابن رشد. ويبدو هذا التقابل في قسمة الجوهر إلى جوهرين متحركين، فاسد وهو موضوع العلم الطبيعي، وسرمدي وهو موضوع العلم الإلهي، وعلى خلاف الإسكندر. فالعلم الطبيعي لديه ينظر في الجوهرين من حيث هما متحركان، ويستمد مبادئهما من الفلسفة الأولى. وهو غير صحيح إن أخذ القول على ظاهره. المبدأ المادي للجوهر المتحرك موضوع العلم الطبيعي. أما الصوري والفاني فأدخل في العلم الإلهي.

وأحيانا يبدو أن موضوع العلمين الطبيعي والإلهي موضوع واحد ولكن على نحوين مختلفين. فالمهنة العقلية الإلهية الشبيهة بالصورة الواحدة للصناعة الواحدة الرئيسية تحتها صنائع أخرى. أما الطبيعة فإنها تفعل فعلا في غاية النظام وهي غير عاقلة إلا أنها ملهمة من قوى فاعلة أشرف منها وهو العقل. وإذا قال المتكلمون في الإلهيات إن العالم يتولد من الليل، وقال المتكلمون في الطبيعيات إن الأمور كلها كانت معا ومتباينة فإنها تكونت من ذاتها من غير محرك. فالعلمان علم واحد وهو الطبيعة، مرة مدفوعا إلى مثالها وكمالها فتصبح العلم الإلهي، الطبيعة كما ينبغي أن تكون، ومرة تكون الطبيعة الحسية المشاهدة، ما هو كائن فتصبح العلم الطبيعي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٨٠