تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

138

أخطأ ابن سينا إذن في اعتبار الواحد والموجود يدلان على معنى زائد في الشيء لأنه لا يرى أن الشيء موجود بذاته بل بصفة زائدة عليه، والواحد والموجود عنده عرضان في الشيء. وتلزم منه محالات عديدة منها ضرورة التسلسل إلى ما لا نهاية حتى يصبح الشيء معرفا بذاته لأن كل شيء معرف بصفة زائدة عليه يلزم هذه الصفة أن تكون معرفة بصفة زائدة ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. كما أنه أخطأ في ظنه أن الواحد الذي هو مبدأ الكمية هو الواحد المرادف للوجود.

لقد خلط ابن سينا بين الواحد العددي والواحد الموجود. وظن أن الواحد مبدأ العدد هو جنس للموجودات العشرة إذ إنه يدل على عرض مشترك بينهما. وأشكل عليه الفرق بين الاثنين. أخطأ في الخلط بين اسم الوجود الذي يدل على الجنس واسم الوجود الذي يدل على الصادق أي على كل واحد من المقولات العشر، خطأ في علم المنطق وخطأ في علم الطبيعة. لقد توهم ابن سينا أنه ما دام اسم الوجود اسما مشتقا فإنه يدل على العرض لا على الجوهر مضحيا بالجوهر في سبيل العرض، ومدمرا للطبيعة. يكشف ابن رشد خطأ ابن سينا عن طريق تحليل اللغة والتمييز بين الاسم المفرد والاسم المشتق كما هو الحال في مبحث العبارة في المنطق أو بين المحكم والمتشابه كما هو الحال في علم الأصول. خطأ ابن سينا ينتهي إلى استحالة تعريف الجوهر ما دامت الجواهر أعراضا والأعراض جواهر. وانتهى الأمر كذلك إلى ما لانهاية. وهنا يثبت ابن رشد خطأ قضية ابن سينا بتحويلها من قضية ميتافيزيقية إلى قضية منطقية. ويدافع ابن رشد عن العالم ضد تحويله إلى مثال عند ابن سينا. فالصراع بين ابن رشد وابن سينا مثل الصراع بين أرسطو وأفلاطون. كما حاول ابن رشد إرجاع الفكر الإسلامي إلى العالم فلم يستطع، وظل تحت سطوة الإشراق وعلم الأشعرية.

ونظرا لأخطاء ابن سينا في كل هذه المقدمات اعتقد أن الصور كلها من العقل الفعال وهو الذي يسميه واهب الصور. وهو خطأ الفارابي كذلك أي في كل تيار الفلسفة الإشراقية. لم يفهم كلاهما معنى قول أرسطو وتصوره للنفس النباتية وما لا إلى قول أفلاطون بالصور المفارقة. فابن رشد مع أرسطو في التوحيد الطبيعي، وابن سينا والفارابي مع أفلاطون في التوحيد المفارق للطبيعة. ويشرح ابن رشد علاقة الصورة بالمادة. مذهب أرسطو به اختراع وكمون. وهو الجامع بين المذهبين المتعارضين على التوسط وهو مذهب ابن رشد.

139

ومذهب ابن سينا أكثر إشراقية من الفارابي، وتقوم الآراء الثلاثة على أن التغير في الجوهر، وأنه لا يخرج شيء من لا شيء. لقد توهم ابن سينا أن المادة التي بالقوة توجد لجميع الأجسام مع أن الجسم السماوي ليس فيه قوة منقسمة بانقسام الجسم أي صورة هيولانية. فلو كان فيه كذلك لكانت توجد فيه المادة التي هي بالقوة، ولا يوجد شيء أزلي فيه قوة على الفساد. لقد أخطأ ابن سينا في قوله بأن هناك شيئا ممكنا من ذاته أزليا وضروريا من غيره مثل حركة السماء الوحيدة المستثناة من قسمة الوجود إلى وجود بذاته ووجود بغيره. فلا يمكن وجود شيء ممكن من قبل غيره وفي نفس الوقت يكون ضروريا إلا إذا انقلب الطبع. يرفض ابن رشد هنا الوجود المتوسط بين الواجب والممكن.

140

ويدافع ابن رشد عن ابن سينا مرة واحدة ضد رواية كاذبة منسوبة إليه وهي أن شهادة الشاعر كدليل نظرا لطباعه وقوته الخيالية الغالبة على قوته الفكرية تجعله لا يصدق بالبرهان إن لم يصحبه تخيل. يدافع ابن رشد عن صحة مذهب ابن سينا ويفند الرأي المنسوب إليه خطأ عن أهمية القول الشعري ودور الخيال في الإدراك وكأن ابن رشد هنا يصحح الفهم الخاطئ لمذهب ابن سينا كما يفعل مع أرسطو. مع أن هذا الرأي لا يبعد عن آراء ابن سينا في النبوة وأهمية المخيلة للنبي وكيف أنه يفوق بها عقل الفيلسوف مما يطرح سؤال: هل كان موقف ابن رشد من ابن سينا موقف القاضي الحصيف المعروف عنه في «تهافت التهافت» دفاعا عن الفلاسفة أم أنه قسى عليه في نقده لاحتلال مكانه بالرغم من اختلاف الموقفين، شارح أرسطو «ابن رشد» ومنسق أرسطو «ابن سينا»؟

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٧٩