135
وبالرغم من شهرة ابن سينا في علوم الحكمة إلا أنه تجاوز الحد بقوله إنه بإمكان الإنسان أن يتولد من التراب كما يتولد الفأر. هذا هو اعتقاده وإن لم يكن قوله. يدخل ابن رشد في مذهب ابن سينا ويدفعه إلى أقصى نتائجه الممكنة في نظرية التولد الطبيعي التي عرضها ابن سينا في أول «حي بن يقظان» لتفسير نشأة حي باجتماع قدر معين من الرطوبة مع درجة معينة من الحرارة، وهو أفضل ما وصل إليه القدماء من علوم الحياة والتطور.
136
ويتهم ابن رشد ابن سينا أنه قال ذلك موافقة لأهل زمانه أي اتباعا للثقافة الشائعة. ربما يعني ابن رشد الثقافة غير العلمية لأنه لو شاعت الثقافة العلمية في تفسير الحياة تفسيرا طبيعيا كانت قد انتشرت وتحولت إلى ثقافة علمية مزاحمة للثقافة الدينية الشائعة. كما تابع علم الأشعرية مع أن الأشعرية لم تصل إلى هذا الفكر العلمي الطبيعي الحيوي التطوري وأقرب إلى الخلق من عدم، وهو فكر أقرب إلى أصحاب الطبائع ونظرية الكمون والخلق المستمر. يبدو ابن رشد هنا متكلما أشعريا تقليديا يرفض القول بالطبائع والتولد الطبيعي.
137
ولقد أخطأ ابن سينا عندما ظن أن الواحد والموجود يدلان على صفات زائدة على ذات الشيء وهو أثر الأشعرية في القول بالصفات زائدة على الذات. جمع ابن سينا بين الإشراقية والأشعرية مما جعله أشعري الحكمة، وحكيم الأشعرية مثل الفارابي. في حين أن ابن رشد معتزلي الحكمة، وحكيم الاعتزال مثل الكندي. مع أن ابن سينا يحاول الاستفادة من الموروث الكلامي لتقريبه إلى الوافد الفلسفي، وفي نفس الوقت يؤول الوافد الأرسطي كي يجعل قريبا من الموروث الكلامي من أجل تحقيق وحدة الثقافة الفلسفية، وهو الهدف الذي قامت من أجله علوم الحكمة. أراد ابن سينا أشعرة أرسطو كي يقترب من الموروث و«أرسطنة» الكلام كي يقترب من الوافد. كما استعمل ابن رشد تفرقة المتكلمين بين الصفات المعنوية والصفات النفسية من أجل نقد ابن سينا. فالواحد والموجود من صفات الذات «الست» أي من الأوصاف وهي ليست زائدة عليها. ينقد ابن رشد علم الكلام عندما لا يحتاج إليه ويكون في تعارض مع أرسطو ويستعمل علم الكلام عندما يمكن استعماله للدفاع عن أرسطو. وحجة ابن سينا ضد التوحيد بين الذات والصفات، الوجود واحد، والواحد موجود، تقوم في رأي ابن رشد على افتراض باطل وهو أن «واحد» و«موجود» يدلان على معنى واحد وهو غير صحيح؛ فهما يدلان على الذات في أنحاء مختلفة. لقد أخطأ ابن سينا وخلط كلامه بكلام الأشعرية وتفرقتهم بين صفات المعنى وصفات النفس، وإن الواحد والموجود من صفات الذات وليست زائدة عليها. وحجة ابن سينا أنه لو كان الواحد والموجود يدلان على معنى واحد لكان القول بأن الموجود واحد مثل القول بأن الموجود موجود، والواحد واحد، وهذا يلزم لو قيل في الشيء الواحد أن «موجود» و«واحد» يدلان على معنى واحد من جهة واحدة ونحو واحد. بل قلنا إنهما يدلان على الذات الواحدة بأنحاء مختلفة لا على صفات مختلفة زائدة عليها. لم يميز ابن سينا بين الدلالات التي تدل على الذات الواحدة على أنحاء مختلفة من غير أن تدل على معاني زائدة وبين الدلالات التي تدل من الذات الواحدة على صفات زائدة مغايرة لها. أخطأ ابن سينا لأن اسم الواحد من الأسماء المشتقة التي تدل على عرض وجوهر. فظن أن اسم الواحد يدل على معنى في الشيء الذي لا ينقسم وهو غير المعنى الذي هو طبيعة. كما ظن أن الواحد المقول على جميع المقولات هو الواحد الذي هو مبدأ العدد هو من الموجودات التي يقال عليها اسم الواحد وإن كان أحقها بالاسم. لو كان الشيء واحدا بأمر زائد كما قال ابن سينا لم يكن شيء واحد بذاته وجوهره بل بشيء زائد على جوهره. فلو كان الشيء الذي صار به واحدا صار بمعنى زائد على ذاته فكيف صار هذا الشيء واحدا؟ فإن كان بمعنى زائد عليه لتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية؛ ومن ثم يلزم أن يكون الشيء واحدا بذاته وليس بصفة زائدة عليه.