83
وبعد إدخال البعد النفسي الأخلاقي بين الطبيعة وما بعد الطبيعة يواجه ابن رشد خطر السوفسطائيين الذين يقضون على هذا البعد الجديد بإنكار الحقائق. وينتقد ابن رشد نسبية بروتاجوراس بداية بنسبيته الرياضية في أن الدائرة لا تمس المقدار بنقطة بل تماسها بخط، وأن الكرة تماس السطح على نقطة، والكرة المحسوسة تماس السطح المحسوس على سطح. وهذا هو سبب توبيخ بروتاجوراس للمهندسين، كما ينقده ابن رشد لإطلاقه الموجبة على السالبة، والسالبة على الموجبة في المنطق لأن كل ما يظنه الإنسان فهو صادق. الإنسان والزورق والإله واحد؛ ومن ثم يلحق بروتاجوراس بقول أنكساجوراس بأن جميع الأشياء موجودة معا، وأن الضد موجود في الضد أي أن الموجود تابع للاعتقاد وتابع للموجود، وأن الموجود لا يوجد إلا في النفس. فالذاتية بلا موضوعية نسبية وشك. ليس الإنسان مكيالا لكل شيء، فالوجود لا يكال بالإنسان. والحقيقة مستقلة عن الاعتقاد.
84
وينكر مانن العلم والتعلم نظرا لإنكار القوة قبل الفعل. فالتعلم لا يخلو أن يكون إما بغير فعل أو بفعل تعلم. فإن كان بغير فعل فليس هناك تعلم، وإن كان بفعل تعلم فالمتعلم كان عالما ولا يحتاج إلى تعلم أصلا. وينكر غاريقون أن تكون القوة متقدمة على الفعل بالزمان مثل مانن. فهما يوجدان معا، وهذا يعني إنكار القوة لأنها بالضرورة متقدمة على الفعل. وأرسطويفوس ينكر العلة الغائية وسبب شكه أنها لا توجد في أوثق العلوم وهي الرياضية مع أنها موجودة حتى في الأعداد والأعظام في صورة نظام وترتيب. ويرى زينون أن الشيء الذي لا ينقسم ليس بشيء لأن الشيء يزيد وينقص وإلا لم يكن من الهويات. والواحد عند زينون لا يزاد عليه لأن الزيادة تجعله أكبر فينقسم ولا يبقى واحدا. ويرد عليه ابن رشد بأن العدد والعظم مركبان من الواحد ومما ليس بواحد. ويبين أخطاء زينون في الاستدلال. ويبحث عن الصدق في القول أي القول ذي المضمون المتفق عليه من العقلاء قبل أن ينقله على الموروث في إثبات الحقائق، وقال هرقليطس إن النفي والإثبات شيء واحد نظرا للتغير في الشيء منذ لحظة الحكم عليه؛ لذلك آثر الإشارة بإصبعه وعدم الكلام حتى لا يسبق الشيء القول. فكل الأقاويل حق وباطل في نفس الوقت لأنهما لم تعد تصدق على شيء؛ ومن ثم انتفى العلم بالمحسوسات الضرورية. فكل قضية صادقة وكاذبة معا حتى هذه القضية، وهو خلط بين الطبيعة والمنطق.
85
وهوميروش ذكر أمثلة على الذاتية وتبعية العقل للمزاج وتبعية الشيء للعقل مثل ديموقريطس وأنبادقليس وأنكساجوراس، والمادية خطوة نحو الشك.
86
ولقد احتار الناس في أقوال كسانقراطيس حتى عرفوا أوجه الخطأ فيها وضموه إلى السوفسطائيين، وتكلم أبيقورس في الأمور الإلهية لإقناع نفسه وليس لإقناع الناس لأنهم فهموا الألغاز واقتنعوا بها وكأن وظيفة الألغاز إقناع النفس وليس إقناع الآخرين كما هو الحال في التصوير الفني. ولا يسأل أبيقورس أشياء برهانية لأن أقواله ليست كذلك. وأنطيفاس رجل مشهور له أصحاب ويسأل عن طريق الأدب لأنهم جهلوا أن الحد ليس لجميع الأشياء. ويعني عدم الأدب أي عدم العلم بعلم المنطق. لا يهم المثل أو الاسم بقدر ما يهم الرد على الشكاك في الحد. ويضرب المثل بهرمس للعالم وبربوسوس بالجاهل. وأرسطوطاليس رجل مشهور في عمل الحدود الخاصة التي تجمع بين الصورة والعنصر. ويسقط ابن رشد بعض الأسماء اليونانية من شرحه مثل ديموس صاحب علم الشرائع وكذلك اسم فولوفيطس صانع الصنم للدلالة على الاسم المركب وهو ما سيفعله ابن رشد في تلخيص الخطابة.
87 (ز) فرق الحكماء القدماء والمحدثون
ويذكر ابن رشد أسماء فرق ومذاهب مثل القدماء والمحدثين والحكماء والأوائل المتقدمين. ولا يوجد لهم ذكر في نص أرسطو لأن ابن رشد يضع أرسطو في إطار تاريخ الفلسفة اليونانية، ويضع الفلسفة اليونانية في إطار تاريخ الفلسفة العامة. فالقدماء والمحدثون، والأوائل والأواخر يعبران عن وعي تاريخي إنساني عام ومسار الحضارات الإنسانية؛ لذلك لا تظهر هذه الألفاظ في النص المشروح بل في النص الشارح. فالوعي التاريخي عند ابن رشد أكثر ابتداء من الوعي التاريخي عند أرسطو. الوعي التاريخي اليوناني أقل انتشارا وأصغر مسارا من الوعي التاريخي عند ابن رشد. وأحيانا تزيد نسبة الإحالة عند ابن رشد إلى الفرق والمذاهب التي يشير إليها أرسطو مثل الفيثاغوريين والهرقليين في الألف الكبرى. وقد تزداد الإحالة نظرا لأهمية الفرقة مثل الفيثاغوريين. وقد تصل إلى ثلاثة أضعاف كما هو الحال في الألف الكبرى والباء. وأحيانا يذكر ابن رشد مجموعات أخرى مثل القدماء والجدليين والمتقدمين لم يذكرها أرسطو لأن الوعي التاريخي عند ابن رشد أعمق وأعم نتيجة للتراكم التاريخي من اليونان إلى الإسلام وزيادة ابن رشد القدماء والطبيعيين والفلاسفة والقدماء الأول والمتقدمين في الباء من أجل وضع الجزء في الكل. ويزداد تكرار السوفسطائيين في الجيم نظرا لهجوم ابن رشد عليهم. وفي الدال يضيف اليونانيين تأكيدا للتمايز بين الأنا والآخر. وفي الزاي يضيف ابن رشد القدماء والسوفسطائيين. وفي الثيتا يضيف ابن رشد السوفسطائيين والطبيعيين والمنجمين والأوائل. وفي العاشرة يضيف القدماء وأصحاب العلم الطبيعي، ويتضاعف الهرقليون. وفي حرف اللام يتضاعف القدماء في الشرح سبعة وعشرين مرة مما يدل على إحساس ابن رشد بوراثة أرسطو ووراثة المحدثين للقدماء أي المسلمين لليونانيين.