79
ولا تعارض بين تحليل الفكر باعتباره قضايا فكرية كما يفعل ابن رشد أو كتحليل اجتماعي، فالمفكر ابن مجتمعه أو تحليل فكري نفسي اجتماعي. قد لا يكون للميتافيزيقا موضوع خاص إلا إعادة التفكير في المنطق والطبيعة حتى يمكن رؤية المنفذ الذي يتم منه الاغتراب حتى يمكن إعادته إلى الموقف الطبيعي. (ه) بطليموس، أبرخس، أوطوكسيس، فيلومس
ويثبت بطليموس حركات زائدة على ما أثبته القدماء للقمر ولسائر الكواكب مثل حركة المحاذاة للقمر وحركة الأقطار لأفلاك التدابير. على الأقل وضع بطليموس للقمر حركتين زائدتين، وهنا يدخل علم الطبيعة والفلك لتفسير موضوعات ما بعد الطبيعة وكأنها علم واحد؛ الأول طبيعي والثاني اغتراب عن الطبيعة؛ وبالتالي يمكن تفسير ما بعد الطبيعة لأرسطو بالحالة الراهنة للعلم في عصره، فالميتافيزيقا امتداد للعلم. يمثل بطليموس الفكر العلمي في حين يمثل الطبيعيون الفكر الميتافيزيقي.
80
ومع ذلك لم يقدر بطليموس اضطرار القدماء للقول بالحركات اللولبية لأنها كانت أسهل عليهم وأبسط لعود الحركات حتى تعود الناس على هيئة بطليموس فتركوا عادتهم القديمة. فالفكر العلمي في حاجة إلى تعود واقتناع. ويمكن أيضا مراجعة بطليموس وتأويل ملاحظاته مثل ظن بطليموس أن حركتي الفلك؛ الإقبال والإدبار أنهما حركتان تامتان له من المغرب إلى المشرق. ويعتمد ابن رشد على نص لبطليموس غير «المجسطي» يسمى «الاقتصاص» وقد شارك أبرخس بطليموس في تأسيس علم الهيئة. وأوطوكسيس أيضا فلكي مثل بطليموس مثل الطبيعيين يرى أنه من السهل جمع الأشياء الكثيرة في واحد يجمع بين الميتافيزيقا والفلك. وكان يضع للشمس والقمر ثلاثة أفلاك أو ستة، ومن المتحيرة أربعة، في حين أن فيلومس كان يضع عددا أكثر، وهنا يتداخل علم الفلك مع الميتافيزيقا بحيث تبدو الميتافيزيقا تفكيرا على العلم عند أرسطو وابن رشد. وقد تأتي علوم الحياة كوسط بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي مثل جالينوس وتحليله للقوة في الزرع هل هي الخالق أم لا؟ وهي لا تعمل إلا بالحرارة لا على أنها صورة فيها كالنفس في الحرارة الغريزية بل على أنها منحصرة فيها مثل انحصار النفس في الأجرام السماوية. فجالينوس موحد بالطبيعة، وتصوره للخلق بتحليل القوة في الزرع والنفس في الأجرام السماوية. ويجوز جالينوس وجود المزاج المعتدل في الأطراف المتضادة في حين ينكر ابن رشد ذلك وإلا لأمكن تكونه من الأطراف دون أن يلحقه تغير ولا نقص، ويحيل ابن رشد إلى عمله السابق في الرد على جالينوس.
81
ويتداخل الفكر الطبيعي والرياضي والميتافيزيقي والإنساني مما يدل على بدايات العلوم قبل تمايزها أو انفصالها وفقدان توازنها. ويظل السؤال ما الأصل وما الفرع في العلم الطبيعي والعلم الإلهي أم أن هناك مدخلا آخر بينهما هو العلم الإنساني الذي يمثله سقراط أو السوفسطائيون.
82 (و) سقراط والسوفسطائيون
لقد أضاف ابن رشد في شرحه سقراط أو سقراطيس ليس فقط كمثل مثل زيد أو عمرو بل لأنه من مشاهير الحكماء. تكلم في الخلقيات وليس في الطبيعيات، ونظرا لأهمية السبب الغائي عند من جحد الفاعل وقال بالاتفاق. فالغائية في الطبيعة وفيما بعد الطبيعة وفي الإنسانيات، وهي أساس الفرد والمجتمع. والقول بالاتفاق إنكار للغائية التي أثبتها سقراط وأفلاطون وأقاما عليها تدبير المدن بحسب اعتقادهما في غاية الإنسان. لقد ألهمت الطبيعة في كلتا الحالتين النسب من سبب أكرم منها وأشرف وأعلى مرتبة وهي النفس التي في الأرض. ثم افترق أفلاطون وأرسطو في علة وجود هذه النفس في الأرض ونشأتها من الآلهة الثواني عند أفلاطون، ومن الشمس والفلك المائل عند أرسطو، الأولى أقرب إلى المثالية الدينية، والثانية أقرب إلى الواقعية الكونية؛ لذلك ظلت النفس مشتاقة نحو الغرض. وقد شرح ثامسطيوس ذلك في كتابه في التنفس. وهي النسب التي سماها أفلاطون الصور ناظرا إليها من بعد، وجعل لها وجودا مفارقا، وهي قوى حادثة في الأسطقسات عن حركات الشمس وسائر الكواكب.