تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64 (ج) أفلاطون، فيثاغورس، بارمنيدس

وأفلاطون الذي يقول بالصورة المفارقة جزء من مشكلة يونانية أعم قبل أفلاطون وبعدها. وهناك ثلاثة تيارات: (1)

الصوريون مثل أفلاطون وفيثاغورس. (2)

الشكيون مثل بروتاجوراس. (3)

الماديون مثل ديموقريطس وأنكساجوراس.

كان موقف أفلاطون لا طبيعيا من أجل فتح الشعور اليوناني على المفارقة بعد أن أغلقه الطبيعيون ومن أجل تأكيد المطلبين وتأسيس البعدين فيه. وفي نفس الوقت تعبر هذه التيارات التاريخية الثلاثة عن بنية ثلاثية الموضوع على النحو الآتي:

يعني شرح ابن رشد تحقيق المناط، وتحول البنية إلى تاريخ، والنص إلى علة. ويشرح علل هذه التيارات الثلاثة. فالأسماء تقال على الأشخاص والأنواع باشتراك الاسم مثل الإنسان، ولا يوجد عنصر من غير صورة ولا توجد صورة من غير عنصر كما هو معروف في تحليل اللغة في علم الأصول؛ ومن ثم لا توجد صور مفارقة خارج الأشخاص وإلا لوجد إنسان من غير جسد. هذه الصور المفارقة ليس لها وجود في الكون. ولا يوجد في العالم إلا الأشياء المتفرقة بالصورة المختلفة بالعدد. لا يوجد في العالم إلا خروج من القوة إلى الفعل. كما هو الحال في النباتات والبذور والزروع والحيوانات. ولا توجد صور مفارقة في الخارج تتولد عنها كما يقول أفلاطون. ويقتصر ابن رشد على عرض الحجج والحجج المضادة، ومن طريقة العرض يظهر اتفاقه مع أرسطو. وهو موقف الفقهاء المسلمين مثل ابن تيمية من مشكلة الكليات رفضا لتعدد الآلهة. ويشير ابن رشد إلى أفلاطون على أنه صاحب الفكرة أو المذهب كنوع من تحقيق المناط، أفلاطون هو القائل بأن الممكن قد لا يكون ولزوم ما لا يمكن.

65

ويرصد ابن رشد بالمنهج التاريخي كالعادة تطور نظرية المثل والأعداد. فأحد طرق الشرح هو وضع أقوال أرسطو في إطارها التاريخي. أتى أفلاطون بعد الطبائعيين الأوائل والفيثاغوريين، وتابع مذهب الفيثاغوريين. فكلا المذهبين رياضيان، لا فرق بين صور أفلاطون وأعداد فيثاغورس. طبيعتهما واحدة. كان دافع أفلاطون على ذلك هو شك الهرقليين في وجود الصور. التاريخ إذن فعل ورد فعل. له جدل يقوم على التناقض.

66

وعند أفلاطون نوع الإنسان ليس هو المجموع من الهيولى والصورة ولكن الصورة نفسها لها وجود مفارق خارج الإنسان الجزئي وسبب وجوده، كما أن الأعداد لها وجود مفارق عن الأشياء المتعددة. كما نص في كتابه «فيدون» على أنها ليست أسباب الكون والفساد؛ ومن ثم لا كون ولا فساد. ويفند أرسطو وشراحه هذا الموقف الأفلاطوني بالإحالة إلى محاورته مثل فيدون. ويعرض ابن رشد ذلك عرضا تاريخيا موضوعيا هادئا رصينا، الصور هي الأعداد. فالوحدة هي النقطة. والثنائية الخط، والثلاثية السطح، والرباعية الجسم. والأعظام الهندسية عند أفلاطون ليست مبادئ للأجسام مع الأعداد. فالواحد جوهر الهويات عند أفلاطون وفيثاغورس في حين أنه موضوع عند أنبادقليس مثل العناصر الأربعة. وهي الجوهر الكلي لجميع الموجودات المشترك بينها، ويعقد أرسطو فصلا خاصا لعرض الحجج التي توجب أن تكون الكليات أمورا موجودة عند أفلاطون وفيثاغورس ولها طبع واحد. الواحد والوجود لا يدلان على مركب بل على واحد كما تدل عليه الأسماء المشتقة.

67

ويطيل ابن رشد عرض النقاش بتكرار ممل ودون اختصار وتركيز. فهناك نص أرسطو وشرح الإسكندر وتلخيص ثامسطيوس وشرح ابن رشد على فكرة رئيسية واحدة وهي نفي الوجود الفعلي للصور الأفلاطونية والأعداد الفيثاغورية، الواحد لديهم جوهر موجود في الخارج غير الجوهر المادي المحسوس الذي يقول به أنصار العلم الطبيعي واعتبروه أحد العناصر الأربعة. وهو ليس بكائن ولا فاسد إلا بالعرض عندما يفنى الشيء ولكنه بالذات باق، وكذلك الصورة مثل الوجود الواحد لها وجود سابق على المادة، قائمة خارج النفس، موجودة بذاتها عند أفلاطون في حين أنها عند أرسطو مستقرأة من الجزئيات كما هو الحال في كتاب «البرهان». وهي مادة العلوم ومتقدمة على الموجودات؛ لذلك كانت الرياضيات أساسا للعلوم إذا ارتفعت الكليات ارتفعت الجزئيات، وإذا ارتفعت الجزئيات لم ترتفع الكليات. فالمنطق مثل الرياضة علم سابق على الموجود، نظر في المبادئ العامة للأجسام. وقد انتهى ذلك كله إلى الجدل نتيجة للاعتقاد بوجود أمور خارجة عن النفس وعن طبيعة الشيء مما جعله غير مطابق للإقناع أو الموجود؛ ومن ثم تكون الأقاويل خارج المنطق. الإنسان واحد بالعدد كثير بالقوة. وقد وافق أصحاب العلم الطبيعي مثل أنبادقليس الفيثاغوريين وأفلاطون في أن اسم الواحد والموجود يدل على طبائع واحدة بسيطة، جعلها أفلاطون الصور العددية. وهي كلية أساس العلوم الضرورية. فالصور أساس نظرية المعرفة ونظرية الوجود في آن واحد. هي جوهر واحد، لا يكون ولا يفسد، غير محسوس، ليس لها فناء في الكون. القول بالصور نظرية في المعرفة كما هي نظرية في الوجود. فلو لم تكن الصور موجودة وكان كل ما يظهر حقا لما كان هناك فرق بين العلم والجهل، ولما كان هناك علم بالمنطق وبالمقولات وبالقضايا وبالقياس، ولاقتصر الناس على العلم بالجزئيات، ولصحت الأقوال السوفسطائية التي تقتصر على الأعراض مما اضطر أفلاطون إلى إلقائها ولم يجعلها داخلة في الوجود والجوهر.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٦٣