68
والخلاف بين أفلاطون وأرسطو في المحرك. فعند أفلاطون المحرك هو المتحرك وعند أرسطو المتحرك غير المحرك لا يتحرك. وهنا يبدو أفلاطون أكثر علمية بتحليل الحركة بمبدأ ذاتي بينما يبدو أرسطو أكثر دينية بالقول بمحرك خارجي لا يتحرك. وإذا كانت الصور والأعداد والجواهر مفارقة فلا يمكن أن تكون عللا فاعلة أو محركة؛ ومن ثم تكون حركة الموجودات عبثا. الصور مثل، والمواد لا تتحرك دون محرك؛ لذلك آثر البعض مثل أفلاطون ولوقبس وديموقريطس أن يجعل للحركة وجودا خارجا عن الصور. فوضعوا قبل العالم حركة دائمة غير منتظمة ثم حولها الله إلى نظام عند أفلاطون وإلى حركة الأجزاء في الخلاء عند لوقبوس، ولكن كيف تكون هذه الحركة الدائمة قبل العالم ممكنة دون مبادئ محركة ذواتها؟ يرد أفلاطون بأن الله خلق الملائكة بيده ثم وكلها خلق الحيوانات. وبقي هو مستريحا، وهو لغز لا يليق بالحق. يحكم ابن رشد بتصوره الإسلامي للخلق على تصور أفلاطون. ثلثه مسيحي في خلق شيء، وثلثه يهودي في الإشراق، وثلثه يوناني في الكمون. ويستعمل ابن رشد لغة الموروث مثل البارئ، الملائكة، الحق؛ للتعبير عن تصور الوافد.
69
ويذكر ابن رشد فيثاغورس والفيثاغوريين وآل فيثاغورس مع أفلاطون في نظرية الأعداد كأصل لوجود الأشياء كما قال أفلاطون في الصور المفارقة. فالواحد أصل كل شيء في مقابل الطبائعيين الأوائل الذين قالوا بجوهر مادي لتفسير أصل الكون مثل المحبة عند أنبادقليس أو واحد العناصر الأربعة مثل النار والماء والهواء عند آخرين، فهل الواحد العددي هو الواحد الذي هو الجوهر الواحد؟ وهي مشكلة الكليات والجزئيات، الاستنباط والاستقراء، عالم الأذهان وعالم الأعيان. الأعداد مبادئ الموجودات لا من جهة أنها صور أفلاطونية بل من جهة أنها عناصر الموجودات التي منها تتكون. ويلزم الأفلاطونيين والفيثاغوريين معا أن تكون لهذه الصورة صورة واحدة، ولهذه الأعداد عدد واحد، فلا يكون هناك فرق بين الموجودات، فالنظرية تفسر الوحدة ولا تفسر الكثرة، وتذكر مبدأ التفرد. هل الواحد جوهر بذاته أم في موضوع؟ الأول إجابة فيثاغورس والثاني إجابة أنبادقليس. ولا يكتفي الفيثاغوريون بالقول بالأعداد بل إنهم جعلوا الأعداد أصل الموجودات. قالوا ذلك على طريقة التشبيه أي مجازا لا حقيقة على ما هو معروف في تحليل اللغة في علم الأصول. ويدقق ابن رشد في التاريخ، ويشرح عبارة الإسكندر، ويتحقق من قول شبيه بقول الفيثاغوريين من أن الأعداد سبب جوهر الأشياء، وهم أصحاب الجزء الذي لا يتجزأ تحقيقا للمناط. ويضع ابن رشد الفيثاغوريين في تاريخ الفكر اليوناني مع الأفلاطونيين القائلين بالصور المفارقة والطبائعيين القائلين بالجواهر المادية راصدا أوجه التشابه والاختلاف بين التيارات الثلاثة بروح المؤرخ الدقيق وبمنهج القاضي الحصيف. يوافق الفيثاغوريون الطبيعيين على القول بالمبدأين ولكن ليس على نفس النحو مع الشخص أم المجموعة؟ الأقرب مع الشخص لأن المجموعة تاريخية مثل القدماء أو مذهبية مثل الطبيعيين؛ فالفيثاغوريون وسط بين الأفلاطونيين والطبيعيين لأنهم يعترفون بالوجود الطبيعي للأشياء ويفسرونها تفسيرا رياضيا لا يقضي عليها، في حين أن الأفلاطونيين يعتبرون الأشياء وهما خادعا؛ لأن حقيقتها في الصور المفارقة. كلاهما يتفق في الهوية والواحد المشاركين في الطبع والبساطة. أما أصحاب العلم الطبيعي مثل أنبادقليس فإنهم اتفقوا مع أفلاطون والفيثاغوريين على أن اسم الهوية والواحد يدلان على طبائع واحدة وبسيطة. وقالوا في طبيعته قولا أوضح ولكن الصعوبة عند الفيثاغوريين أنهم جعلوا الواحد العدد.
70
ومثل أعداد فيثاغورس وصور أفلاطون هناك واحد بارميندس؛ فالواحد والوجود يدلان على شيء واحد حتى نفى بارمنيدس الكثرة وقال بالوجود البسيط الواحد غير العنصر. وخطؤه أنه لم يفرق بين اسم الموجود الدال على الواحد بالعدد والدال عليه بالجنس، فاعتقد أن الوجود كله واحد بالعدد؛ لذلك نفى بارمنيدس الكثرة والأسطقسات. والصعوبة هو تفسير كيفية صدور الكثرة من الوحدة، والمركب من البسيط إلا أن يكون اضطرارا كما قال بارمنيدس. هذه الشكوك كانت لازمة للقدماء لأنهم لم يفهموا من الواحد إلا معنى واحدا على التواطؤ، الواحد الكلي والواحد الجزئي أي أنهم لم يكونوا يعرفون الأسماء المتواطئة كما هو الحال في تحليل اللغة في المنطق في مبحث العبارة وفي مبحث الألفاظ في علم الأصول. لفظ الواحد يقال على معاني كثيرة ، ويشارك مالسيس بارمنيدس في القول بأن الوجود واحد. ومع ذلك يقول بارمنيدس إن العقل يخص الناس على قدر مزاج الأعضاء. فهو ميتافيزيقي مثالي في الوجود، ومادي طبيعي في الإنسان.