تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

وقد وصل ابن رشد إلى شرح مقالة اللام إلى الإسكندر عن طريق ثامسطيوس وتلخيصه لها. فابن رشد في موقف إبداعي خالص أمام مقالة اللام لأرسطو لأنه لم يجد أي شرح لها إلا شرح الإسكندر وتلخيص ثامسطيوس. وهو نفس الموقف الإبداعي لأرسطو لأنه لم يجد أحدا من المتقدمين قد سبقه لتأسيس هذا العلم. ويبدأ ابن رشد بشرح الإسكندر. فإذا ما وجد شكا في شرح ثامسطيوس أزاله. وإذا ما وجد زيادة حذفها. فشرح الإسكندر هو مقياس صحة شرح ثامسطيوس. وهو موقف ضد أولوية النص على الشرح، أولوية الكتاب على الحديث كما هو معروف في مصادر الشريعة الأربعة في علم أصول الفقه . وهناك احتمال ضياع نص أرسطو داخل شروح الإسكندر وثامسطيوس. كما أن صعوبة أفعال القول والإرادة يصعب معها معرفة من يقول أو يريد أرسطو أم الإسكندر أم ثامسطيوس أم ابن رشد؟ ويقوم ابن رشد بعملية جراحية بفصل تلخيص ثامسطيوس عن شرح الإسكندر عن نص أرسطو. ويلاحظ أن تفسير الإسكندر ناقص، ومن هنا أتى خطأ تفسير ثامسطيوس لأنه تفسير على ملخص ناقص للإسكندر؛ لذلك غابت من شرح ثامسطيوس أشياء بالرغم من عرضه على تلخيص كلام الإسكندر شارحا أقوال أرسطو، وتكشف العملية على قدرة ابن رشد على معرفة ما لأرسطو وما للإسكندر وما لثامسطيوس، وكيف أن الشراح المسلمين، الفارابي وابن سينا، قد تابعا ثامسطيوس في حين أن ابن رشد قد تابع الإسكندر، والكل إلى حكيم اليونان منتسب، ولكن ابن رشد يزيد عليهم جميعا المعرفة بالعلة وهو ما وصل إليه عن طريق التعليل في علم الأصول.

61

وأهم موضوع يتناوله ابن رشد في ثامسطيوس هو دفاعه عن الصور الأفلاطونية وتأويل طبيعيات أرسطو تأويلا أفلاطونيا لإثبات الصور المفارقة في الموجودات المتكونة سواء في النفس أو في البذور. وهو نفس الرأي الذي يقول إن الصور كلها من العقل الفعال كما ظن ابن سينا. فشرح ثامسطيوس تأييدا لأفلاطون والصور المفارقة ضد أرسطو والصور المتولدة. إذ يقول أرسطو بالقوة النفسانية القريبة أو البعيدة (الأجرام) وليس بالصور المفارقة الفاعلة. فالصور هي المثل المحركة للطبيعة. والحقيقة أن حرارة الشمس والكواكب المتولدة في الماء والأرض هي المكونة للحيوانات المتولدة من العفونة ولكل ما يكون من غير بذر وليس أن هناك نفسا بالفعل حدثت عن الفلك المائل والشمس كما يظن ثامسطيوس ويروي. فهل انتقال الفلسفة من جيل إلى جيل ابتعاد عن العقل والطبيعة سمة فلسفة أرسطو إلى الإشراقيات سمة فلسفة أفلاطون؟ وهل مهمة ابن رشد هي العود إلى سمات الجيل الأول، جيل أرسطو، حيث يجده متفقا مع العقل والطبيعة أساس الوحي الإسلامي بتأكيده على أن الدين الطبعي هو نهاية تطور الدين؟

62

وقد صرح ثامسطيوس في كتابه في النفس في آخر المقالات التي تكلم فيها عن العقل أنها هي التي وجدت من الآلهة الثواني كما قال أفلاطون ومن الشمس والفلك المائل كما قال أرسطو. كما يلجأ أرسطو إلى المحرك الأول لينبه على أنه غير الحركات القريبة طبقا لظاهر كلامه دون تأويل، والظاهر والمؤول أحد مفاتيح منطق اللغة في علم الأصول. وينكر ثامسطيوس أن تكون في الشمس وسائر الكواكب المتناهية قوة لا متناهية، ويثبت أن اللاتناهي في الكواكب وبالتالي فقوتها ليست طبيعية، ويجوز ثامسطيوس أن يعقل العقل معقولات كثيرة دفعة واحدة في حين أنه عند ابن رشد يعقل ذاته ولا يعقل شيئا خارجا عنه؛ فثامسطيوس يرجح أن ترد المعقولات على العقل من الخارج وطبقا لتصور أفلاطون، وابن رشد من وعي العقل بذاته وطبقا لتصور أرسطو.

63

ويظهر ثاوفرسطس مع ثامسطيوس والمشائين في القول بأن العقل الهيولاني باق وأن العقل الفعال صورة فيه وهو أقرب إلى الاتجاه الطبيعي الأرسطي من الاتجاه الأفلاطوني القائل بالعقول المفارقة بما في ذلك العقل الفعال. أما نيقولاوش فبالرغم من أن قوله غير متصل لوجود بياض في النص يملئوه ابن رشد بالفكر فقد كان أقرب أيضا إلى الاتجاه الطبيعي؛ فقد خالف أرسطو في ترتيب علاقة العلم الطبيعي بما بعد الطبيعة رادا الثاني إلى الأول. فخفت لديه الأقاويل الجدلية ومرتبتها في علم ما بعد الطبيعة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٦٢