56
ويحرص ابن رشد مع الإسكندر تحقيقا لرؤية أرسطو على الإبقاء على التمايز بين العلمين، الطبيعة وما بعد الطبيعة في دراسة الجوهر، المتكون الفاسد في الطبيعة، والثابت الأزلي فيما بعد الطبيعة دون رد أحدهما إلى الآخر، رد الطبيعي إلى ما بعد الطبيعي كما يفعل أصحاب الصور والأعداد، أفلاطون والفيثاغوريون، أو رد ما بعد الطبيعي إلى الطبيعي كما يفعل نيقولاوش. والبرهان على مبادئ الموجودات في علم ما بعد الطبيعة. أما الموجودات الموضوعة وضعا فهي في العلم الطبيعي. يحاول ابن رشد رفع التناقض بين ظاهر قول الإسكندر وحقيقته طبقا لمنهج الأصوليين في التفرقة بين الظاهر والمؤول، وهو المنتسب إلى بيئة الفقه الظاهري، وقد سبب إجمال قول الإسكندر وعدم تفصيل ثامسطيوس له غلط ابن سينا الذي يصححه ابن رشد بتفصيل قول الإسكندر. فابن رشد آخر الشراح والمتمم لأقوال أرسطو طبقا لمنهج الأصوليين في بيان المجمل، ويفرق الإسكندر بين ما في الأذهان كالمفاهيم والمعقولات مثل مفهوم التقدم وهي أدخل في علم ما بعد الطبيعة وما في الأعيان وهي أقرب إلى علم الطبيعة مثل تقوم الأشياء بعضها على بعض. وكذلك الجوهر فإنه يكون موضوعا للعلمين، كجوهر أزلي سرمدي ثابت في علم ما بعد الطبيعة، وكجوهر متكون فاسد في علم الطبيعة.
57
ويعرض ابن رشد لنماذج من موضوعات العلم الطبيعي مثل القوة والفعل والهيولى والكون والفساد هل هو بالطبع أم بالإرادة أي الصناعة أم بالاتفاق. يضم الإسكندر الموضوع من إحالاته المختلفة مثل القوة والفعل في حرفي الهاء واللام، ويتحقق من أقوال السابقين مثل ديموقريطس الذي يريد جعل المادة أزلية وليست فقط بالقوة. ويحيل إلى العلم الطبيعي للتحقق من أزلية المادة وليس إلى علم ما بعد الطبيعة كما يقول ابن سينا. وهو خلاف ظاهري؛ لأنهما علم واحد، مرة مقلوبا إلى أسفل فيصبح علم الطبيعة، ومرة مقلوبا إلى أعلى فيصبح علم ما بعد الطبيعة.
58
ويبحث الإسكندر موضوعا طبيعيا آخر وهو كيفية تكون الحيوانات من العفونة متولدة عن المتواطئة في الاسم أي عن الأشياء التي يطلق عليها نفس الاسم على ما هو معروف في مبحث العبارة من الأسماء المتواطئة أو عند المناطقة المسلمين باسم اشتراك الاسم أو عند الأصوليين باسم الأسماء المتشابهة. كيف تكون كذلك بالطبع أم بالإرادة (الصناعة) أم بالاتفاق؟ ويضم الإسكندر الموضوع من مقال الزاي إلى مقال اللام، ويحيل الكل إلى السماع الطبيعي في الطبيعيات. فالأشياء المتواطئة عند أرسطو هي التي تقال على الطبيعي والصناعي في نفس الوقت. أما الحيوان فيوجد من تلقاء نفسه ويتولد عن العفونة، وإلى هذا الحد يفسر الإسكندر أرسطو تفسيرا صحيحا إلا أنه لا يبين استثناء الجوهر من هذه المواطئة كما يقوم ابن رشد بتوضيح ما غمض على الإسكندر في شرحه لأرسطو مثل ما قاله عن المادة وأنها ترى.
59
وأهم شيء في شرح الإسكندر المقالة اللام هو دفعها إلى الإيمان الديني العقلي، وقد تركها أرسطو جاهزة لذلك لا ينقصها إلا الختام، ويبدأ ابن رشد بشرح مقالة اللام من خلال شرح الإسكندر وليس مباشرة كي يحقق هدفين في وقت واحد، الأول رؤية تفسير لأرسطو متفق مع تفسيره، والثاني تصحيح تفسير الإسكندر لو خالف أرسطو، وقد قطع ابن رشد نصوص مقالة اللام إلى وحدات صغيرة نظرا لأهمية النص، ودلالته لاتصال موضوعه بالموضوع المشترك بين الوافد والموروث، العلة الأولى أو المحرك الأول أو الصورة المفارقة من جهة الوافد، والتوحيد من جانب الموروث. عند الإسكندر والقدماء الجنس غير الهيولى. فالجنس مقولة عقلية تقترب من الصور المفارقة. والكل مثل الجنس لا هيولى فيه، وتتحد مبادئ الجوهر السرمدي والعلة الأولى والمبدأ للجسم الإلهي، ربما كانت غاية ابن رشد من الاعتماد على شرح الإسكندر استمرار تراث الإيمان العقلي من أرسطو إلى الإسكندر إلى ثامسطيوس حتى ابن رشد لعمل بؤرة لمقالة اللام مما يضطره أحيانا إلى إعادة إحكام شرح الإسكندر وشرح ثامسطيوس حتى تتحد بؤرة العدسات الأربع.