تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالإجابة على سؤال: لماذا بدأ ابن رشد بشرح الإسكندر قد تكون في التقليد المتبع آنذاك عند الشراح اليونان والمسلمين استمر فيه ابن رشد، خاصة وأن الشرح يبدأ بقضية ترتيب المقالات الداخلي وعددها. وهو موضوع عرفه ابن رشد من قبل في أول عرض الغرض من كتاب ما بعد الطبيعة، ولا يحتاج إلى شرح الشراح أو قضية حذف المقالين الآخرين، الميم والنون، وموضوعهما الصور والأعداد كمبادئ للموجودات عند أفلاطون وفيثاغورس المكرر في الألف الكبرى، وهو ما يعرفه ابن رشد دون ما حاجة إلى شرح الشراح. ولا يعقل أن يكون السبب هو صعوبة مقالة اللام أو خطورتها حتى يختفي ابن رشد وراء الإسكندر أو لعدم ثقته بنفسه والاعتماد على الآخرين. ولا يعقل أن يكون السبب تقية خاصة، وأن مقالة اللام، وهي أهم مقالات الكتاب، قد قاربت الدين، المحرك الأول، العلة الأولى، العناية الإلهية. وابن رشد لديه شجاعة الفقيه في الإعلان عن الحق، وربما توجد وحدة أصلية في الحضارة الإنسانية كلها في إطار واحد كما عبر عن ذلك الكندي في رسالته في الفلسفة الأولى.

ونتيجة الرؤية من خلال هذه العدسات الأربع هي عدم مطابقة تفسير ثامسطيوس لتفسير الإسكندر ومطابقة نص أرسطو مع تفسير الإسكندر وشرح ابن رشد؛ ومن ثم تجتمع ثلاثة نصوص ضد واحد مثل الفرق بين التواتر والآحاد في وجوه النقل الشفاهي عند المسلمين، اليقين في مقابل الظن. وقد تكون خمس عدسات عندما يروي أرسطو عن القدماء عن ديموقريطس مثلا. فتكون الأولى عدسة ديموقريطس التي يرى بها الأشياء، والثانية عدسة أرسطو التي يرى منها ديموقريطس، والثالثة عدسة الإسكندر التي يشرح منها أرسطو راويا عن ديموقريطس، والرابعة عدسة ثامسطيوس ملخصا الإسكندر الشارح لأرسطو الراوي عن ديموقريطس، والخامسة عدسة ابن رشد الشارح الذي يرى من خلال العدسات الأربع السابقة الناقد لثامسطيوس الملخص على الإسكندر الشارح لأرسطو الراوي عن ديموقريطس الرائي للواقع نفسه الذي يراه ابن رشد رؤية مباشرة وليس من خلال توسط الأقوال. كل عدسة ذات وموضوع في نفس الوقت . فديموقريطس ذات ترى الواقع وموضوع يراه أرسطو، وأرسطو ذات ترى ديموقريطس ويراه الإسكندر، والإسكندر ذات ترى أرسطو ويراه ثامسطيوس. وثامسطيوس ذات ترى الإسكندر ويراه ابن رشد. وابن رشد ذات يرى ثامسطيوس والسابقين عليه ولا يراه أحد من القدماء بل يراه الباحث الحالي رائيا للكل والسابقين عليه من خلال عدسة سادسة. وهكذا تتوالى العدسات، ويحدث التراكم التاريخي، ومذهب أرسطو هو أقل المذاهب شكوكا، وأكثرها مطابقة للوجود، وأكثرها اتفاقا مع الإسكندر، وأبعدها عن التناقض، وبالرغم من أن مسائل أرسطو صعبة وعويصة إلا أن ابن رشد يحاول أن يفهمها حسب الطاقة ويحسب الأصول والمقدمات التي تقررت في مذهبه. وقد يقتصر الإسكندر وثامسطيوس على المعنى الصحيح فيزيد ابن رشد العلة طبقا لطرف السبر والتقسيم عند الأصوليين.

55

وقد يرجع السبب في عدم المطابقة لاختلاف النسخة التي كان يعمل عليها الإسكندر وثامسطيوس لنص أرسطو أو لاختلاف نسخة الترجمة العربية التي كان يعمل عليها ابن رشد مع النسخة اليونانية للإسكندر أو لثامسطيوس أو لأرسطو. ويدرك ابن رشد السقط الذي في ترجمة الإسكندر ويكمله. وقد يرى زيادة فيها فيحذفها حرصا على النص الأصلي. النص النواة لكل شراح أرسطو؛ يونان ومسلمين، ويقوم ابن رشد بعمل المحقق التاريخي ليجد نسخة صحيحة من شرح الإسكندر بدلا من النسخة التي يختلط فيها كلامه فينقل الصحيح منها على جهة الظن ثم يراجعه على ترجمة أخرى، وينتهي تفسير الإسكندر بالإعلان عن ذلك سواء كان من ابن رشد أو من الشارح أو من الناسخ أو من الناشر بخط صغير. وقد تظهر ترجمة يحيى بن عدي لتوضح أي الترجمات اعتمد عليها ابن رشد.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٦٠