تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51

ويقترب شرح ابن رشد لمقالة اللام من أسلوب الشرح الأوسط الذي يبدأ من العبارة المشروحة لأرسطو أو للإسكندر ثم يعالجها ويفصلها ويطورها ويستخرج كل إمكانياتها، ويوجهها نحو القصد الكلي الذي يكتمل فيه النص المشروح في النص الشارح. مهمة ابن رشد إذن تفصيل مجمل قول الإسكندر، وتحليل ألفاظه وعباراته من أجل إعادة تركيبها على نحو أرسطي من خلال وحدة الرؤية بين أرسطو وابن رشد. شرح ابن رشد للإسكندر على جهة الاستظهار أي البيان والإيضاح من خلال رؤية أكثر دقة للعدسات الأربع المتجاورة؛ أرسطو، والإسكندر، وثامسطيوس، وابن رشد إلى العدسة الأولى التي يرى بها أرسطو الواقع نفسه. وقد تكون المطابقة تامة أو شبه تامة. وكلاهما حكم بصحة الشراح.

52

وأحيانا يكون تركيز ابن رشد على شرح الإسكندر مؤولا إياه إلى معنيين وأحيانا إلى ثلاثة أو أكثر. ويرصد كل هذه المعاني في باقي شرحه، أحيانا تتكرر، ولا يزيد بعضها على بعض شيئا ودون أن يضيف جديدا خاصة إذا ساعده اللفظ مما يدل على إحساس ابن رشد بأن الشرح ليس تكرار المشروح بل إضافة تأويل جديد أو معنى جديد. وأحيانا يشرح الإسكندر مرتين، أحدهما أوضح من الثانية، ويختار أحدهما بناء على تحليل ألفاظ الإسكندر أو بالذهاب مباشرة إلى أحد المعنيين بطريقة الوجوب العقلي وما ينبغي أن يكون عليه المعنى، ويحدد ابن رشد نوع حجج الإسكندر. وفي الغالب يجدها جدلية. حينئذ تكون مهمة ابن رشد تحويلها إلى برهانية. ويحاول ابن رشد الدخول في قلب الإسكندر، تخوفاته وظنونه. فالمعنى يتخلق في النفس. وأحيانا يكون تركيز ابن رشد على قول الإسكندر أكثر من تركيزه على قول أرسطو. وفي هذه الحالة تنصب كل أفعال القول على الإسكندر، ويكون هم ابن رشد توضيح معنى القول إيجابا بما يقصد الإسكندر أو سلبا بما لا يقصده. ولا يجزم ابن رشد بشيء. ويعبر عن فهمه بصيغة الاحتمال ودون قطع وبتواضع العلماء.

53

ولم يصل ابن رشد شروح من الإسكندر إلا شرح مقالة اللام. وقد عرضها ولخصها ثامسطيوس؛ لذلك يستفيض ابن رشد في عرضها. ولأول مرة يظهر الإسكندر شارحا متوسطا بين ابن رشد وأرسطو، وثامسطيوس متوسطا بين الإسكندر وابن رشد. وقد كان شرح ثامسطيوس على هذا المعنى دون اللفظ مما له مميزاته وعيوبه، الفكر والرأي دون الدقة والضبط. لا يبدأ ابن رشد بقال أرسطو بل يتناول الموضوع كله خاصة وأن نقطة الالتقاء والالتحام والانصهار بين الوافد والموروث متوفرة في مقالة اللام. وأحيانا يخصص ابن رشد صفحات بأكملها لتلخيص مفصل لشرح الإسكندر وهو شرح واضح وموجز. معظم الشرح من الإسكندر ثم من ثامسطيوس ولا يكاد يظهر أرسطو إلا في النهاية. ويدخل ابن رشد كطرف رابع في هذا المسلسل المتتابع من أرسطو إلى الإسكندر إلى ثامسطيوس ذهابا أو من ثامسطيوس إلى الإسكندر إلى أرسطو إيابا. ويحاول معرفة مدى التطابق بين النص وشرحيه أو عدم التطابق مما يثير الشكوك أو الإضافة والحذف وهذا هو الانحراف؛ لذلك تضخمت مقالة اللام كثيرا عن باقي المقالات في شرح ابن رشد. ربما استعمل ابن رشد الإسكندر وسيطا إما لشيوعه أو لنقده وتخليص أرسطو من بعض التدين الزائد لديه الذي عرضه في «مبادئ الكل»، وربما للتخفي وراءه للتعبير عن تصور فلسفي خالص للعالم لا يرضي أنصار التشبيه أو للتعامل مع الموضوع كله مباشرة دون تمييز بين ما لأرسطو وما للإسكندر وما لثامسطيوس.

54

ويدخل ابن رشد في الموضوع مباشرة منذ البداية وراء الإسكندر في الحكم بأن مقالة اللام آخر مقالة في كتاب ما بعد الطبيعة؛ لأن بعض المقالات الأخرى السابقة تتضمن شكوكا في هذا العلم وتحاول حلها. ويتحدث البعض الآخر عن الموجود من حيث هو موجود أما مقالة اللام فتتكلم عن مبادئ هذا الوجود وفي مبادئ الجوهر الأول غاية الحقيقة. أما المقالتان التاليتان «الميم والنون» فلا يوجد شيء فيهما على القصد الأول ولا من رأيه الخاص بل مناقضة الذين قالوا إن مبادئ الموجودات الصور والأعداد، وهو تكرار لمضمون المقالة الثانية، الألف الكبرى، وفي أول مقالة الجيم مما يدل أيضا على أن مقالة اللام قد تكون آخر مقالات ما بعد الطبيعة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٥٩