تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

فالقوة التي في البذور تجعلها متنفسة بالقوة وليس فيها شيء متنفس بالفعل. والفرق بين القوة والفعل هو الفرق بين المجاز والحقيقة؛ لذلك يشبهها أرسطو أحيانا بالقوة الصناعية حقيقة، وبالقوة الإلهية مجازا لأنها قادرة على إعطاء الحياة. وهي تشبه العقول لأنها تواقة إلى غاية. ولما كانت تفعل بالحرارة سماها أرسطو الحرارة النفسية التي تولد الصور في البذور دون اختراعها. وقد اتبع أرسطو التعليم في ذلك على جهة الأشهر والأبسط. وقال ما يعرفه الناس من أن الجوهر غير المتحرك مبدأ. وعرض مبادئ الجوهر غير المتحرك في علم ما بعد الطبيعة ومبادئ الجوهر المتحرك في علم الطبيعة وكأن أرسطو في تعبيره عن الحقيقة يستعمل الثقافة الشعبية لإيصال الناس ما يعلم بما في ذلك الدين. كانت القضية عند أرسطو هي هذا الميزان المتعادل بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، بين التناهي واللاتناهي، بين المادة والصورة؛ لذلك قام فكره على التمييز من أجل رفع الخلط بين المستويين والذي يتمثل في رد الصوري إلى المادي كما يفعل الطبائعيون أو رد المادي إلى الصوري كما يفعل الأفلاطونيون. حرص أرسطو على المستويين مستوى الجوهر والحركة ومستوى الصورة والثبات. ويظل الإشكال في المستوى المتوسط، مستوى الحركة اللولبية وحركة الأفلاك. ويحاول ابن رشد توضيح موقف أرسطو بحيث يجعله يقول بالعناية التي بها تحول جميع الشكوك. فيركب الوافد على الموروث، ظنون الوافد في يقين الموروث.

48

ويمكن توضيح الخلاف بين أفلاطون وأرسطو في نشأة النفس عن الآلهة الثواني أو عن الشمس والفلك المائل على النحو الآتي:

ومن ثم يكون أرسطو هو الجامع بين الكمون والاختراع، ويكون الدين قد اختار الإبداع والاختراع. وتأتي قراءة ابن رشد له لتبين كيفية تعشيق الوافد في الموروث في نظرة كلية واحدة من الداخل وليس من الخارج كما فعل الفارابي في الجمع بين رأيي الحكيمين.

49

ونظرا لقدرة أرسطو على معرفة الحق أصبح هو الحكيم

Par excellence . وأصبح فكره غير مشخص، الحقيقة الموضوعية ذاتها في حضارة ترى أن الرسول هو خاتم الأنبياء، وأن الإسلام هو خاتم الرسالات، وأن الحقيقة لديها، في حين أنه عند باقي الديانات والحضارات والشعوب أجزاء منها. يبتعد الناس عن الحكيم مثل نيقولاوش وثامسطيوس أو يقتربون منه مثل الإسكندر وابن رشد. فهو الميزان والمعيار. إذا تكلم الحكيم نطق بالحق، هكذا تكلم الحكيم، قصد الحكيم هو الحكمة، وشروحه اقتراب منها. ما ذكره سار الناس على هداه، وما لم يذكره انحرف الناس عنه، ومعارضته عناد له بل وعناد للعناية الإلهية. حتى الإسكندر لم يفهم كلام أرسطو عندما تحدث الحكيم عن العناية الإلهية. وهنا يتوحد أرسطو وابن رشد، والوافد بالموروث، واليونان بالإسلام، والعقل بالوحي. وتتوحد حقائق الشعوب في حقيقة التوحيد.

50 (ب) الإسكندر، ثامسطيوس، نيقولاوش، ثاوفرسطس

وبعد أرسطو يأتي الإسكندر. ويرى ابن رشد أن الإسكندر موافق باستمرار لرأي أرسطو. ومع ذلك يسميه ابن رشد الرجل تسمية شائعة يطلقها ابن رشد على الأصدقاء مثل أرسطو والإسكندر أو على الأعداء مثل ابن سينا والغزالي، يعني الشرح هنا تحقيق المناط بلغة الأصوليين، اتفاق قول الإسكندر مع الواقع الذي يراه ابن رشد. وفي مقالة اللام نظرا لأنها شرح الإسكندر يبدأ ابن رشد بأفعال الإرادة لوصف أغراض الإسكندر، وتختفي أفعال القول التي تصف مسار فكر أرسطو. وأحيانا يكون الإسكندر راويا عن أرسطو أو عن القدماء. وفي هذه الحالة تتصدر أفعال القول اسم الإسكندر، وقد يحسن الرواية فتكون صحيحة وقد لا يحسنها فتكون كاذبة كما هو الحال في وجوه النقل عند المسلمين، وقد ينقل الإسكندر خبرا على سبيل الاحتمال ويؤوله أيضا على سبيل الاحتمال، وكأنه خبر آحاد ظني وليس خبر تواتر يقيني.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٥٨