تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43

وعندما يتحدث أرسطو عن التقدم في الجوهر فإنه يعني الجوهر المادي؛ فتقدم الجوهر لا يعطيه أية ميزة على سائر الموجودات وهو ما أدى إلى اللبس عند الشراح، وحاول الإسكندر توضيحه. فإذا كان المقصود مفهوم التقدم يكون من الكليات المستقرأة من الجزئيات. وإن كان المقصود التقدم المتكون فإنه يكون بالقوة لا بالفعل، الأشياء الحادثة باتفاق، ضد ما ذهب إليه ديمقريطس الأشياء الحادثة أو الأكوان، العقل لا يتقدم كما تتقدم الأشياء بعضها على بعض وهي من جنس واحد. فالكل عند أرسطو هو الجنس، والكليات عنده يجمعها الذهن من الجزئيات المتشابهة بالقوة لا بالفعل، إصلاحا لقول ديمقريطس. فأرسطو يصلح قول ديموقريطس كما يصلح ابن رشد قول الإسكندر شارحا أرسطو. الكليات عند أرسطو مستقرأة من الجزئيات، وعند أفلاطون معان ذهنية سابقة على الجزئيات. وفي نفس الوقت الذي يعارض أرسطو فيه الرد الطبيعي، جعل مقولات الحركة الجوهر المتحرك. وإرجاع عالم الأذهان إلى عالم الأعيان كما هو الحال عند نيقولاوش يعارض أيضا الرد الميتافيزيقي والذي يرجع الموجود الخاص إلى الموجود العام، وإرجاع عالم الأعيان إلى عالم الأذهان كما هو الحال عند بارمنيدس.

44

ومن ثم يبدو أرسطو مؤرخا للفلسفة اليونانية، قابضا على التيارين الرئيسيين فيها، الطبيعي وما بعد الطبيعي، وبلغة العصر الواقعي والمثالي، التجريبي والعقلي، ويجد ابن رشد نفسه في نفس الموقف التاريخي مراجعا الفلسفة الإسلامية بين نفس التيارين، الرازي والفارابي، والكندي وابن سينا، التيارين اللذين جمع بينهما الكندي في البداية وابن رشد في النهاية؛ فأرسطو مؤرخ للفلسفة اليونانية وراو عنها، وكثير من أقوال القدماء عرفت عن طريق أرسطو مؤرخا وراويا، فإذا ما عرض أرسطو للأين فإنه يعرض للمعنيين الطبيعي باعتباره المكان، والميتافيزيقي باعتباره مقولة، كما يدرس أرسطو البسائط والمركبات معطيا لكل منها مستواها الخاص دون خلط بينها. ويدرك ابن رشد وحدة الفلسفة اليونانية من خلال أرسطو. كما يدرك وحدة الفلسفة الإسلامية من خلال مراجعتها وتصحيح فهم لأرسطو.

45

وموضوع النفس هو المتوسط بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، في الطبيعة باعتبارها متصلة بالجسم وفيما بعد الطبيعة باعتبارها قوة ناطقة أو عقلا بالفعل متصلا بالعقل الفعال. فالصحة والمرض للنفس الجسمية وليس للنفس الروحانية. وقوى النفس في الزرع قوى شبيهة بالعقل ولكنها ليست كالعقل بل تفعل فعل العقل ودون آلة جسمانية. كلاهما لا يعمل بآلة. هي قوة تنتسب إلى المبادئ الطبيعية وليس إلى المبادئ الإلهية لأنها لا تعقل ذاتها وغير مفارقة. والبرهان على ذلك أن هذه الصور لا تتكون بذاتها إنما يتدخل العقل الفاعل المفارق للهيولى في حدوث القوى العقلية فقط لأنها غير مخالطة للهيولى، ولكن لم يفهم أحد برهان أرسطو كما فهم ابن رشد. فكل عقل يتولد من نوعه، الهيولاني عن الهيولاني، والمفارق عن المفارق، المركب عن المركب، والبسيط عن البسيط. ولكن عادة أرسطو الإيجاز. وأرسطو يفحص عن ذلك في موضوع النفس. وتتم سعادة البشر باتصالهم بالعقل كما بين ذلك أرسطو في كتاب النفس. وهو عقل مفارق يتم الاتصال به كمبدأ يعلق به البشر كما تتعلق السماء، وهذا هو معنى قول أرسطو أن الإنسان يولده إنسان والشمس أي الفعل الإنساني والفعل الإلهي؛ لذلك لا خوف على السماء من التوقف أو الفساد، أما قوى الأجسام وأفعالها فيها فإنها متناهية في حين أن كل فعل مستوى أي مستمر فإنه غير متناه، يصدر عن قوة غير متناهية.

46

والحقيقة أن الاتجاه الطبيعي عند أرسطو لا يعني أن الأشياء المتكونة تحدث عنه باتفاق لأن الطبيعة ليست أشياء مصنوعة ولا تعمل شيئا باطلا بل تهدف إلى غاية وقصد. وخير دليل على ذلك تحليل طبيعة الحيوان والنبات. فالقوة الكامنة في البذور تتولد عنها الصور؛ لذلك يقول أرسطو إن الإنسان يولده إنسان. والعقل المكتسب في كتاب النفس ليس هو العقل بالملكة ولا جزءا منها. ويحتمل أن تكون الطبيعة قد ألهمت إلهاما من سبب أكرم منها وأشرف وأعلى مرتبة. وهي نفس الأرض التي يظن أفلاطون أنها حدثت عن الآلهة الثواني. ويظن أرسطو أنها حدثت عن الشمس والفلك المائل؛ لذلك راحت تفعل مشتاقة نحو الغرض وكأن أفلاطون وأرسطو يقولان بالخلق وإن استعصى عليهما معرفة الخالق. الآلهة الثواني في الأرض عند أفلاطون أو الشمس عند أرسطو. وكانت وظيفة الوحي صياغة نظرية عقلية للخالق بعد أن عرف اليونان المخلوق.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٥٧