تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40

ويلاحظ ابن رشد أولوية علم المنطق على علم الطبيعة وعلى علم ما بعد الطبيعة، وإن الطبيعة ترد في قضاياها إلى علم المنطق ليحللها. فكثير من أخطائها في طريقة صياغة القضايا، كما أن قضايا ما بعد الطبيعة هي في حقيقتها قضايا الطبيعة مقلوبة إلى أعلى ومدفوعة إلى أقصى حد إذا ما اغترب الإنسان وتحول من المادة إلى الصورة، ومن المتحرك إلى الثابت، ومن القوة إلى الفعل، ومن العالم إلى الله؛ لذلك سمى أرسطو علم الأدب صناعة المنطق، ما يجب أن يتأدب به الإنسان لمعرفة الأشياء التي يريدها. ومن المنطق ما هو عام لجميع العلوم، ومنه ما هو خاص بعلم علم. وكل عالم يتعلم ما هو عام لكل العلوم وما هو خاص بعلم كما وضح أرسطو، ودون تعلم هذه الصناعة يخطئ الشراح. كل علم إذن علمان كما يصرح أرسطو في الحادية عشرة من كتاب الحيوان، العلم الخاص والعلم الذي به يتأدى الحصول على هذا العلم وهو علم المنطق، علم الآداب العقلية. ويبدأ التعليم بمبادئ العلم قبل العلم أو بما هو أسهل قبل ما هو أصعب؛ لذلك أتى المنطق قبل كل العلوم وآلة لها؛ ومن ثم كان تصنيف العلوم أحد المداخل لترتيبها؛ لذلك يثني ابن رشد على أرسطو وترتيبه للعلوم وتصنيفه لها، وترتيب مقالات كل علم الترتيب الأفضل كما حدث في مقالات علم ما بعد الطبيعة على غير ما زعم نيقلاوش الدمشقي الطبيعي، ويتفق ابن رشد مع أرسطو في ترتيبه؛ لذلك جعل غرض شرحه أن يقدم نصا لأرسطو أسهل متنا، تذكيرا أو مساعدة لمن يقرؤه من العامة أو الخاصة. ولا تعارض بين الاثنين في طريقة الكتابة.

41

والحقيقة أن العلمين؛ علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة علم واحد وهو الموجود، مرة النسبي ومرة المطلق، ولكن الأهم عند أرسطو ليس موضوع العلم بل قضايا العلم نظرا لتقدم الأقاويل الجدلية على الأقاويل البرهانية في تاريخ العلم. كانت وظيفة أرسطو نقل أقاويل القدماء من مستوى الخطابة والشعر إلى مستوى الجدل. ومهمة ابن رشد نقلها من مستوى الجدل إلى مستوى البرهان، ولكن نيقولاوش خالف أرسطو ورد علم ما بعد الطبيعة إلى علم الطبيعة. وهنا يبدو أرسطو أكثر تعادلا واتزانا بالإبقاء على العلمين العام والخاص، ويكون نيقولاوش أقرب إلى الرد الطبيعي. والأفضل عند ابن رشد هو نظام أرسطو.

42

ويمكن لموضوع واحد أن يدرس في العلمين على نحو مختلف، فالصورة يمكن دراستها في علم الطبيعة متصلة بالمادة ومتولدة عنها بالذات أو بالعرض. ويمكن دراستها مفارقة للمادة في علم ما بعد الطبيعة. طبيعة الكون موضوع للطبيعيات وكذلك الصور الهيولانية المتولدة من الصور الهيولانية كما هو الحال في البذور، هي أيضا موضوع لما بعد الطبيعة.

ومعقولات الحركة ليست الحركة. فالمعقولات في عالم الأذهان، والجواهر في عالم الأعيان. وهنا يحرص أرسطو على التمايز بين العلمين من أجل إعطاء الشرعية للعلمين، ما بعد الطبيعة للصورة، والطبيعة للمادة دون الخلط بينهما ودون رد أحد العلمين إلى الآخر، وقد عبر أرسطو عن ذلك على جهة الاستظهار أي من أجل التعليم والتوضيح وإزالة الشكوك والخلط عند الشراح من أجل إظهار الحق. والصور المفارقة هي التي سماها المتأخرون من المتفلسفين بعد أرسطو العقل الفعال، سخرية من ابن رشد على التيار الأفلاطوني المشائي. والمعقولات حادثة بالرغم من أنها على مذهب القائلين بالصور المفارقة أزلية ، ولا يمكن أن يكون الجوهر الأزلي جزءا من الجوهر الفاسد أو أن يكون الجوهر الفاسد جزءا من الجوهر الأزلي، فالصور المفارقة ليست في الكون إنما يوجد في الكون الأشياء المتكونة من مادة وصورة، ما يتحول من القوة إلى الفعل من جنسه، لا فرق بين معادن وحيوان ونبات. فصور النبات من البذور وليست مفارقة له. وهذا ما يختلف عليه أفلاطون الذي يقول بالصور المفارقة وأرسطو الذي يقول بالصور المتكونة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٥٦