33
وبتواضع جم يعتذر ابن رشد عما يكون في شرحه من تقصير كما اعتذر أرسطو من قبل في آخر كتاب السفسطة من أنه لم يتقدمه أحد للاستعانة به إذ إنه أول من تكلم في الموضوع. وهو نفس موقف ابن رشد إذ لم يعثر على أحد قبله تكلم في الموضوع باستثناء شرح الإسكندر لمقالة اللام وتلخيص ثامسطيوس لها على الرغم من الخلاف بين الشارحين مما يجعل الأمور أكثر صعوبة لابن رشد لأنه لا بد له من تخليص شرح الإسكندر الأرسطي من تلخيص ثامسطيوس الأفلاطوني. هناك إحساس بالجدة والإبداع عند أرسطو وفي نفس الوقت إحساس بالوعي التاريخي في تأليفه ما بعد الطبيعة. وعند ابن رشد إحساس مشابه بالجدة مزدوج في التفسير وبالوعي التاريخي في آن واحد؛ إذ لم يجد له من سبق إلا الإسكندر في شرحه اللام وتلخيص ثامسطيوس.
34
إلى هذا الحد يوحد ابن رشد بينه وبين أرسطو.
ويرجع ابن رشد موضوعات أرسطو إلى المنهج، والمنهج هو أنواع الأقاويل أي صيغ الخطاب. فالفكر لغة. والتصديق قضية. وهكذا فعل أرسطو مع القدماء. فقد كانت عادته في جميع العلوم توضيح الغموض عن طريق التمييز بين الأقاويل لتوضيح ما فيها من أقاويل مشككة عن طريق تحويلها إلى أقاويل جدلية لمعرفة اختلافات الشراح، ثم يأتي ابن رشد وينقلها إلى أقاويل برهانية لمعرفة الحق ذاته؛ لذلك فإن ابن رشد على علم دقيق بمواضع الكلام في مؤلفات أرسطو وكأنه مكتبة متنقلة وليس فقط على علم بالكلام بل أين يوجد، في أي كتاب وفي أي مقال من الكتاب دون القطع بذلك. كما أنه حريص على عدم الجزم بصحة نسبة كل الأعمال المنسوبة إلى أرسطو ويسميها باستمرار «المنسوبة» احترازا من الخطأ.
35
وبالرغم من هذا الاحترام والتقدير من ابن رشد لأرسطو إلا أن ابن رشد يشير إليه باعتباره الآخر في الشخص الثالث، موضوعا للدراسة والحديث، ومسبوقا بحروف الاستنتاج مثل: لذلك، وعلى هذا. فأرسطو هو الشاهد وابن رشد هو المشهود عليه. كما أن أرسطو هو الشارح وابن رشد هو المشروح، ابن رشد هو الذي يعبر عن إرادة أرسطو، ويتحدث بلسانه، ويتمثل رؤيته، ويعيد صياغة عبارته، ويرفع اللبس عنه والغموض عند الشراح؛ يونان ومسلمين.
36
ومشروع أرسطو تصحيح الصنائع الجزئية أي إعادة بناء العلوم مثل مشروع ابن رشد إعادة تصحيح المسار الفلسفي الإسلامي فالمشروعان متشابهان.
37
وبالرغم من هذا الاحترام والتقدير من ابن رشد لأرسطو إلا أن ابن رشد يشير إليه باعتباره الآخر في الشخص الثالث، موضوعا للدراسة والحديث، ومسبوقا بحروف الاستنتاج مثل: لذلك، وعلى هذا. فأرسطو هو الشاهد وابن رشد هو المشهود عليه. كما أن أرسطو هو الشارح وابن رشد هو المشروح. ابن رشد هو الذي يعبر عن إرادة أرسطو، ويتحدث بلسانه، ويتمثل رؤيته، ويعيد صياغة عبارته، ويرفع اللبس عنه والغموض عند الشراح، يونان ومسلمين.
38
ولا يعني شرح أرسطو شرح أرسطو بأرسطو فقط بل وصفه في إطاره التاريخي ومقارنته مع أفلاطون. هكذا فعل الشراح اليونان خاصة ثامسطيوس والشراح المسلمين خاصة الفارابي مضحين بأرسطو دفاعا عن أفلاطون. ويعيد ابن رشد الكرة لتصحيح الموقف والإبقاء على المقارنة للكشف عن التقابل بين أرسطو وأفلاطون دون المزج بينهما أو دون قراءة أرسطو من خلال أفلاطون. لم تحدث قراءة أفلاطون من خلال أرسطو إلا من أرسطو نفسه، لبيان المطلبين الطبيعيين في الفلسفة، المثال والواقع، الصورة والمادة، الثابت والمتحول، الروح والبدن، الآخرة والدنيا، الله والعالم ... إلخ. فالمحرك هو المتحرك عند أفلاطون، والمتحرك من محرك لا يتحرك عند أرسطو.
39
وإذا كان ثامسطيوس قد أخذ صف أفلاطون ضد أرسطو في شرحه لأرسطو فإن الإسكندر كان أعدل منه نظرا لأنه شرح أرسطو بأرسطو كما يفعل ابن رشد. إذا اختلف الإسكندر وثامسطيوس فالإسكندر على حق. فالسلف أفضل من الخلف وأكثر التصاقا بالأصول. وإذا اختلف الإسكندر وأرسطو فأرسطو على حق. فالقرآن له الأولوية على الحديث. وكل ذلك تطبيق لاشعوري لمنهج التعارض والتراجيح في علم الأصول، الأولوية للنص السابق في الزمان عودا إلى الأصول الأولى وتطهيرا لما علق بها من تأويلات الشراح وأهداب الزمن، والصعوبة في هذه العدسات الرباعية؛ أرسطو الإسكندر، ثامسطيوس، ابن رشد، متى يتم النقد ومتى يتم الإعلان عن الموقف والرأي؟ من يعرض من؟ ابن رشد يعرض لثامسطيوس ملخصا الإسكندر شارحا أرسطو؟ هل يعرض ثامسطيوس الإسكندر أم يلخصه ويؤوله؟ هل يعرض الإسكندر أرسطو أم يؤوله؟ ويصعب معرفة كل ذلك تاريخيا لأن علم القراءة هو علم إنتاج النص لا فرق في ذلك بين القارئ والمقروء.