وما قبله مقدمات له مثل المقولات والعبارة. وما بعده غياب له مثل الجدل والخطابة والشعر وتغيب السفسطة. كما يتوحد القياس والبرهان.
ويغيب نقد المنطق ونقضه كما فعل الفقهاء خاصة ابن تيمية. ولا يشار إلى ابن حزم والأخذ بالظاهر في فهم نص أرسطو، أحد وسائل ابن رشد لنقد الشراح اليونان في سوء تأويلهم لأرسطو. ولا يوجد نقد داخلي للأشعرية كما هو الحال في «تفسير ما بعد الطبيعة». وتغيب الأمثلة العربية كما يغيب الشعر العربي على عكس الخطابة والشعر.
ويبدو التقابل بين الأنا والآخر في «شرح البرهان» وذلك بتخصيص الآخر باليونانيين وتعميم الأنا. يقارن ابن رشد بين عادة اليونانيين بوضع ماء جار ينقضي بانقضاء الخصومات وبين ما يعادله من الأحكام عندنا. وتبدو اللغة العربية في استعمال «زيد» كمثال لموضوع في قضية. فالمثال العربي يلاحق المثال اليوناني ويكون بديلا عنه. ويتم القياس الحضاري على النحو الآتي في ثلاثة أشكال من البسيط إلى المركب.
فابن رشد يشرح البرهان باعتباره فقيها وليس باعتباره شارحا، وصورته في حضارته أنه الفقيه الأجل وليس الشارح الأعظم صورته عند اللاتين فهو ينتسب إلى الموروث وليس إلى الوافد.
27
ويتمثل هذا القياس الحضاري في خطوات ثلاث كما هو الحال في القياس التقليدي ولكنه انتقال من الجزء إلى الكل استقراء، ثم من الكل إلى الجزء استنباطا؛ فالكل هو الجامع بين الجزءين على النحو التالي: (1)
معنى المثل اليوناني «الجزء الآخر». (2)
تخليصه من حضارته من أجل تعميمه «الكل». (3)
تركيبه على الحضارة العربية الإسلامية «الجزء الأنا».
ويزداد التراكم الفلسفي في «شرح البرهان». ويأتي الفارابي المعلم الثاني في الصدارة ثم ابن سينا ثم ابن باجه ثم متى بن يونس والمتكلمون من كل ملتنا.
28
ويكشف عن أثر جيل المترجمين والشراح الأوائل على فهم أرسطو في عصر ابن رشد؛ لذلك يتكلم عن الالتباس الذي حدث في زمانه. فابن رشد يبدأ من الحالة الراهنة في عصره لفهم كتب أرسطو. ويعيد تصحيح هذا الفهم بالعودة إلى الأصول الأولى كما هو الحال في مناهج التفسير وعلم الأصول.
لقد ظن الناس أن ما أتى به أبو نصر ناقص في أرسطو وهو موجود. فأرسطو كامل لا ينقصه شيء، ويحيل ابن رشد إلى باقي أعماله المفردة العارضة ربما للموضوع وليست الشارحة له. لقد أخطأ الفارابي في اعتباره إيساغوجي جزءا من المنطق لأنه جزء عام مشترك بين الحدود مع أن إيساغوجي لا ينظر في الحدود من جهة أنها موجودات بل تصورات. فابن رشد أقرب إلى أرسطو لأنه لا يعتبر إيساغوجي جزءا من المنطق. إيساغوجي يتعامل مع التصورات، والأجناس والأنواع، وليس مع الموجودات مما يدل على واقعة ابن رشد، أما الفارابي فقد أراد أن يصوغ أجزاء المنطق في مذهب متكامل. فأدخل إيساغوجي كتب المنطق ليقدم منطق أرسطو كاملا متكاملا. كان الفارابي ضروريا في البداية وابن رشد ضروري في النهاية. قسم الفارابي الكتاب إلى أربعة أجزاء غير ما أجمل أرسطو من أجل شرحه وبيانه كما هو الحال في المنهج الأصولي، بيان المجمل وتخصيص العام.
29
ولا يعارض ابن رشد الفارابي على طول الخط كما يفعل في كثير من الأحيان مع ابن سينا ولكنه يستشهد به أحيانا على حسن فهمه لأرسطو؛ ومن ثم يكون ابن رشد هو الشارح للفارابي والمراجع على فهمه وليس التابع له أو المستمد علمه منه. يستشهد به في شرحه بعبارة لأرسطو تحتوي على عرض الكتاب كله. ويدرك ابن رشد الخلاف بين أرسطو والفارابي؛ فالفارابي يجعل القضية عامة للتصديق والتصور وأرسطو يجعلها من مواد التصديق فقط وليس التصور. في هذه الحالة الشرح هو تعميم الخاص وليس تخصيص العام، الضم والتجميع وليس التفصيل والتجزيء. ويقارن أحيانا ابن رشد شرحي الفارابي وابن سينا مع أرسطو لمعرفة أيهما أصدق كما يفعل القاضي عندما يحيل النزاع بين متخاصمين بالرجوع إلى الشيء ذاته. وينتهي ابن رشد بالمصالحة عن طريق الجمع بينهما، وجعلهما رأيين في موضوع واحد على جهتين مختلفتين؛ فالحد الأوسط للموجود الأعظم والأصغر ليس الأصغر فقط كما يريد ابن سينا أو الأكبر فقط كما يريد الفارابي. فالشروح كلها ظنون ولا تطابق يقين أرسطو. وينقد ابن رشد الفارابي في أنه ليس من شرط الجنس المأخوذ في حد المحمول ألا يكون متعديا جنس الصناعة لأن ذلك غلط. فتعميم الفارابي أحيانا يضر بالخاص الذي يتمسك به ابن رشد. العام للأفهام، والخاص للعلم. العام لتقديم نسق أرسطو تقديما فلسفيا، والخاص لفهمه فهما علميا، كما يخطئ الفارابي في ظاهر قوله إن المحولات في كل برهان أحد صنفي العمل. فابن رشد يحترس من الحكم على الفارابي ويحكم على الظاهر في قوله، فقد يكون له تأويل آخر. وقد يوقع ابن رشد الفارابي في تناقض إذا ما جعل الفارابي كل واحد من الأسباب الأربعة تؤخذ حدودا في البراهين المطلقة وجعل في نفس الوقت الحمل البرهاني صنفين، المحمولات في حدود الموضوعات، والموضوعات في حدود المحمولات. والحقيقة أنه لا تناقض هناك لأن منطق التناقض يقوم على وضع أجزاء الكلام في مقابل بعض البرهان دون إحالته إلى الواقع نفسه الذي قد يكون الكلام تصويرا لجهاته المختلفة. كما ينقد ابن رشد الفارابي في خروجه على أرسطو. فعند أرسطو ليس كل ذاتي ضروريا وعند الفارابي ليس كل ضروري ذاتيا، والحقيقة أن الفارابي يغلب أرسطو من أجل إتمام الجزء بالكل، ورؤية الموضوع من وجهة نظر أخرى، واستبدال الموضوع بالمحمول.