19
كما خرج ثامسطيوس على مذهب أرسطو بقوله عدم اشتراط أرسطو الحمل الأول في النتائج، ويستعجب ابن رشد خروج مذهب الشارح على مذهب أرسطو واختلاف المفسرين عليه مثل اختلاف ثامسطيوس والإسكندر. ويهاجم ابن رشد ثامسطيوس أكثر من نقده للإسكندر لأن السلف خير من الخلف.
20
ويذكر أفلاطون باستمرار مع مانن في موضوعين؛ نظرية المعرفة باعتبارها تذكرا ونظرية المثل وما تدل عليه من صور مفارقة. ومانن هو المحاور الذي يشك وليس اسم المحاورة؛ لأن اسم المحاورة مشتق من اسم المحاور. وقد حل أفلاطون شك مانن بجعله العلم تذكرا ومن أرسطو بإثبات المعرفة الحسية. فالمطلوب معلوم من قبل، ولا يمكن طلب معرفة المجهول. كل علم معلوم من قبل بالقوة قبل أن يصبح معلوما بالفعل. ومثل أفلاطون ليست ضرورية للبرهان. فأرسطو ناقد لأفلاطون، وابن رشد مع أرسطو. الطبيعة في الصورة خارج المحسوسات؛ وبالتالي يجمع ابن رشد مثل الفارابي من قبل بين رأيي الحكيمين، كلاهما مطلبان إنسانيان.
21
وقد ذكر أناخرسيس مرتين كمثال على الأسباب البعيدة على جهة التعمق والاستغراق في بيان الشيء مثل عدم وجود موسيقى في بلاد الصقالبة. كما ذكر بروسن مرتين، واحدة في نص أرسطو وأخرى في تلخيص ابن رشد لاستعمال بروسن بعض مقدمات المهندسين.
22
وقد ذكر مانن مرتين في شرح البرهان. فالمعرفة عند أرسطو هي القابلة للتصديق وعند أفلاطون تذكر. وطريق أفلاطون لا يحل شك مانن. ولما لم يذكر اسم مانن في النص الأرسطي حمل قول أرسطو على شك مانن أي تحقيق المناط الأصولي، وذكر إقليدس مرتين؛ الأول لضرب المثل بما في العاشرة من كتابه بما كان البرهان عليه بعيدا جدا، ولا توجد مقدمات تثبت بها أو تبطل كما هو الحال في خواص الخط الأصم. وهو ما سيثيره في تلخيص الجدل بعد ذلك، والثانية تعلم المهندس من كتاب إقليدس كيف يعمل مثلث متساوي الأضلاع ولا يعرف كيف يصنعه جزئيا من خشب أو نحاس . كما ذكر قلباس مرة واحدة في نص أرسطو وذكره ابن رشد وهو أشبه بزيد وعمرو في الأسلوب العربي، كما ذكر القدماء في الشرح في مقابل المتكلمين من أهل ملتنا في اكتفاء العقل بذاته دون حاجة إلى الحس في حين أن القدماء جعلوا الحس هو العقل نفسه. ولا فرق بينهما، فالمتكلمون عقليون. والقدماء يوحدون بين العقل والحس.
23
وأخيرا يظهر لفظ «المفسرون» في الشرح من أجل إزالة شكوكهم وتوضيح أخطائهم، فوظيفة الشرح التفصيل. كما يظهر لفظ «السوفسطائيون»، مجادلة معهم ورفض شكوكهم كما هو الحال في نظرية العلم في أصول الدين ورفض ابن حزم لهم في أوائل «الفصل»، ورفض شكهم وعلمهم وأقاويلهم. ويتحول السوفسطائيون أحيانا من فرقة يونانية إلى سوفسطائية كخط عام للفكر يقوم على الشك والمغالطة والكذب.
24 (2) الموروث
ويظهر الموروث في «شرح البرهان» إما كأفكار وتصورات أو كأسماء أعلام وفرق؛ فالحديث عن العلم مثل علم المنطق وموضوعه ومنهجه وغايته من أرسطو ومن علماء المسلمين في آن واحد. وهنا يتم التعشيق بين الوافد والموروث. بل إن مفهوم الشرح أو التفسير له ما يشابهه في الموروث في علم بأكمله هو علوم التفسير، تفسير القرآن من أوله إلى آخره، من الفاتحة حتى الناس جزءا جزءا، وسورة سورة، وآية آية، ما يحتاج إلى توضيح وما لا يحتاج. فمنهج التفسير هو منطق الحضارة. كما أن التأويل منهج إسلامي أي القرآن والاستنباط والتعمق وإخراج المسكوت عنه وهو موروث محلي.
25
وتنشأ المصطلحات الفلسفية داخل الشروح مثل سبار الذي يعني معيارا ومنه السبر عند الأصوليين. وقد يكون المصطلح إبداعيا خالصا مثل الاقتضاب الذي يدل على أخذ المقدمات متسلمة دون برهان.
26
كما يظهر التصور الهرمي للعالم في نسبة البرهان إلى سائر كتب المنطق، فالبرهان رئيس والجدل والخطابة والشعر بمثابة المرءوسين، علاقة الأعلى بالأدنى كما هو الحال عند الفارابي. فالبرهان أو القياس أعلى علم في المنطق.