تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

إن شرح الفارابي لأرسطو يجعله أكثر تخصيصا من عموميته؛ فالمحمول الأول في البرهان لا يحمل على جنس الموضوع عند الفارابي، وعند آخرين العكس. ويحيل ابن رشد إلى باقي مؤلفات الفارابي المنطقية مثل كتاب «المحمول الأول» المفقود مما يدل على أن ابن رشد يدرس الموضوعات ولا يشرح الأقوال، وأن ما يعتبره ابن رشد ظنونا عند الفارابي هي محاولة من الفارابي لقراءة أرسطو من أجل الخروج من مذهبه اللفظي الظاهر إلى نسقه المعنوي العام. يبين الفارابي المجمل كما هو الحال في علم الأصول. ويريد ابن رشد العود إلى الأصول وهو منهج أصولي آخر. عند الفارابي المحمولات البرهانية بها خاص وبها ما هو غير خاص، منها أول ومنها غير أول. في حين اشترط أرسطو الحمل الكلي في البراهين ثم يرد ابن رشد الاعتبار للفارابي جاعلا شرط أرسطو على جهة الأفضل لا شرطا ضروريا بمنهج القاضي وبطريقة المصالحة بين الخصمين.

31

وفي كثير من الأحيان يجمع ابن رشد طريقة أرسطو وطريقة الفارابي كوجهين مختلفين لموضوع واحد . فأرسطو يمثل الأفضل، والفارابي يمثل الضروري لتحويل حكم القيمة إلى حكم الواقع، والانتقال من الضرورة القيمية إلى الضرورة المنطقية. وقد اكتشف ابن باجه من قبل أن قصد أرسطو وقصد الفارابي مختلفان. فعند أرسطو الحدود بالقوة وعند الفارابي الحدود بإطلاق؛ لذلك اختلفت الشروط عند كل منهما، عند أرسطو على الأفضل وعند الفارابي على الضرورة. وكان ابن رشد قد اعتقد مثل ابن باجه بالجمع بين الموقفين، ولكنه عدل في النهاية، وفضل أرسطو على الفارابي. فقد أصاب أرسطو وأخطأ الفارابي حرصا على الأصول وصحة النقل والتزاما به قبل أن يتحول إلى إبداع عند الفارابي، كان سبب خطأ الفارابي هو تبعيته لثامسطيوس لإدخاله الجنس في العمل أي حمل الجنس على النوع وهو تناقض. وهذا هو الذي جعل الفارابي يرسم المحمول الأول بخلاف أرسطو. كما أخطأ الفارابي في إطلاق المقيد بتعبير الأصوليين؛ فقد حول الموضع البرهاني إلى إقناعي في كتابه في التحليل. ويحيل ابن رشد إلى باقي أعمال الفارابي المنطقية مما يدل مرة ثانية على أنه يدرس الموضوع ولا يشرح القول، والمناسبة عند أرسطو هي الذاتية، وعند أبي نصر تنقسم إلى جنس الصناعة. وهنا يقوم الفارابي بتقييد المطلق وليس بإطلاق المقيد. كما يورد الفارابي احتمالات عديدة، يسلم بوجود صناعتين نظريتين في مطلب واحد ولا يسلم بوجود حد أوسط، وهو ما يظنه ابن رشد تناقضا. والفارابي لا يهمه التناقض بقدر ما يهمه عرض شامل لمذهب أرسطو.

32

ويستعمل ابن رشد لغة الفارابي وعباراته لشرح أرسطو. فهو الموروث الفلسفي المتراكم قبله. لا يخطئه ابن رشد على طول الخط عنادا أو عصبية أو تعالما بل يقدره، ويعطيه مكانته وإن كان يختلف معه في الموقف؛ الفارابي المؤول القارئ المبدع، وابن رشد الفقيه السلفي وأحيانا الظاهري الباحث عن الأصول الأولى، ومع ذلك يرى ابن رشد أن الفارابي قد أخطأ في قوله إن الجزئية لم تذكر لأنها تدخل تحت الكلية لأن ذلك يصبح في المقدمات الجدلية كما قال أرسطو في الجدل. فالتبس الأمر على الفارابي وخلط بين البرهان والجدل. يرفض ابن رشد تحليل الفارابي، ويعطي العلة الصحيحة. ويميز بين البرهان والجدل طبقا للمنهج الأصولي الذي يقوم على التعليل وعلى السبر والتقسيم لاقتناص العلة. كما أخطأ الفارابي في فهمه لفظ «انتقل» بمعنى انتقال المقدمة الكبرى لأنه يسلم أن المطلوب واحد في الصناعتين، ولا يسلم بأن يكون الحد الأوسط واحدا فيهما. وقول أرسطو بين بنفسه، وشرح الفارابي يثير الشك ظانا أن من الذاتية ما هو أعم من الصناعة، ويبدأ الفارابي مع أرسطو بجعل براهين الوجود صنفين ثم غلط في وصف الثاني لخروجه عن معنى أرسطو. الفارابي يبدأ من أرسطو ولا ينتهي إليه في حين أن ابن رشد يبدأ من أرسطو وينتهي إليه. فهو سلفي المنهج، النص في البداية والنهاية، ظاهري المنحى في فهم ظاهر قول أرسطو وظاهر قول الشراح، حنبلي الاتجاه يريد تخليص النص الخام مما علق به من سوء تأويل الشراح، يونان ومسلمين. ويبدو أن ابن رشد راح ضحية نظرية المطابقة، إن الشرح مطابق للنص، وهو ما حاول ابن رشد القيام به في حين أن الشرح قراءة للنص، وليس تكرارا له. ومن ثم يكون ابن رشد في نفس الوقت الذي حاول فيه إحياء العقلانية أصبح ضحية الحرفية. وبها يكون ابن رشد الذي كان أحد أسباب النهضة الأوربية الحديثة بداية جديدة لنهاية الفترة الأولى للحضارة الإسلامية التي بدأت بالغزالي، واستمرت عند ابن رشد، وأرخ لها ابن خلدون.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٤٥