تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

بل إن أرسطو نفسه لم يعد له وجود بشخصه. أصبح هو الحكيم أي حكيم. تحول من الشخص إلى النموذج كما تحول المسيح من يسوع عيسى ابن مريم إلى المعلم وابن الإنسان، وابن الله، والله في نصوص الأناجيل. كل منها شارح السابق، في موازاة مع تطور العقيدة. لا يهم الشخص بل النموذج. قدم ابن رشد الموضوع على أرسطو ثم احتذى بالحكيم ثم بتعاليمه. ابن رشد دارس يحتذي بالحكيم وليس شارحا له. يرجع ابن رشد الأشياء التي يراها على ما وصف أرسطو حتى يشرحها من أسفل معطيا له الأساس.

15

ويبين ابن رشد معاني أرسطو، ويوضح مقاصده. فالشرح نظرية في البيان والإيضاح، ويبين ما يصرح به أرسطو، ويتجاوز الحرفية والنصية إلى ما يشترطه أرسطو وما يدل عليه قوله. يعني الشرح وصف الشيء ويكون هذا الوصف هو الشرح والعودة إلى الأشياء ذاتها وهي مقاصد الفيلسوف. فالنص قصد، والقصد شيء. البيان إيضاح للمقاصد والأغراض. ففي القصد يتحد المعنى والموضوع. وقد يكون القصد سلبا ببيان ابن رشد ما لم يقصده أرسطو ونفي معاني ليست موجودة عند أرسطو. ويشرح ابن رشد ما لم يفعله أرسطو لأنه يعرف ما فعله. يبين ما بينه وما لم يبينه من أجل معرفة الشيء كله.

16

ويتبع ابن رشد مسار فكر أرسطو ويجد علله وأسبابه وهو الأصولي الباحث عن العلل والمقتنص لها. فيعلل ترتيب أرسطو لكتب المنطق، القياس قبل البرهان. بل ويعلل ما سكت عنه أرسطو وليس فقط ما صرح به. وقد يكون الهدف من التعليل تخليصه من براثن الشراح. ولا يكون الشرح إلا معياريا أي بوجود مبدأ عقلي يحتكم إليه ابن رشد شارحا أرسطو؛ لذلك تتردد عبارة «ينبغي أن يفهم» كثيرا لأنه فهم موضوعي مبني على معيار. ويدخل ابن رشد في محاجات أرسطو، ويستشهد عليها بأقواله حتى يجد له نسقا وتقوى دعوته بالبرهان.

17

بل إنه يضع افتراضات مناقضة لنص أرسطو حتى تظهر المعارضة له من أجل إكمال الناقص.

لذلك يتوجه ابن رشد بالنقض للشراح والمفسرين لأرسطو؛ فقد توهم بعضهم أنه من الأفضل بعد القياس البدء بالجدل ثم بالبرهان، واليقين يأتي قبل الظن ومقدم عليه، يشرح ابن رشد ما يفعله أرسطو تجنبا لسوء فهم الشراح له، آخذا في الاعتبار ما يقصده أرسطو والمعرفة الدقيقة بمنطقه، والفرق بين القسمة والحد والرسم، يشرح عادة أرسطو. كيف يتكلم في شيء، ولا يتكلف في بيانه. ويشرح طريقته وأسلوبه في البيان ليرفض سوء الشرح والتأويل عند الشراح والمفسرين على أساس فهم منهج أرسطو في كتابه. والتأويلات الصحيحة هي التي تتفق مع ألفاظ أرسطو وظاهر عباراته. وبالرغم من تأييد أرسطو ضد الشراح، يونان ومسلمين، وبالرغم من أن الهجوم على الشراح اليونان أكثر من الهجوم على الشراح المسلمين فإن الإسكندر والفارابي أفضل الشراح. وأسوءهم ثامسطميوس وابن سينا. ليست غاية ابن رشد التعلم من أرسطو بل مساعدته على فهم الشراح له الفهم الصحيح ضد سوء تفسيرهم له. لقد أخطأ الشراح عندما ظنوا أنهم زادوا على ما نقص عند أرسطو. والحقيقة أن أرسطو لم ينقصه شيء، ومع ذلك ليس المفسرون دائما على خطأ فإنهم على صواب إذا اتفقوا في الرأي مع أرسطو.

18

ويستعمل ابن رشد الفارابي راويا عن الشراح اليونان: ثامسطيوس وأوديموس والإسكندر. فقد ذكر ثامسطيوس في شرح البرهان. ويعتمد عليه ابن رشد ليتأكد من يقين دراسته. وفي نفس الوقت يقوم بتعليل الشرح وتغيير الترتيب الأرسطي إلى الترتيب الصناعي والتعليمي لسهولة الحفظ. يقوم بالتلخيص. وأحيانا يتفق ابن رشد مع ثامسطيوس في ترتيبه وتجزئته لنص أرسطو من أجل إيجاد بنية له. وتأويل ثامسطيوس هو مجرد تطوير لأرسطو وإخراج شيء منه لم يكن موجودا وربما بإعطاء أمثلة جديدة. فالشارح يشرح مبدعا بنص جديد، وليس مكررا بقول شارح. ويخرج ثامسطيوس على قصد أرسطو بجعله القضية عامة في الصنائع والعلوم. فيعيب الشرح إطلاق القيد، وتعميم الخاص بلغة الأصوليين عند ابن رشد.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٤٢