7
كما يحيل إلى باقي مؤلفات الفارابي في شرح البرهان شارحا الجزء بالكل، متجها نحو الموضوع وليس نحو العقل. وقد ضاع بعضها، وبقي البعض الآخر مثل «شرائط اليقين» العقل. وقد ضاع بعضها، وبقي البعض الآخر مثل «شرائط اليقين» الذي لا يشير إليه ابن رشد. وهو مبدأ يعرفه المفسرون القدماء، شرح الكتاب بالكتاب أو المحدثون وضع النص في سياقه الأعم. لقد استطاع ابن رشد الاستفادة من منهج حضارة النص في تخليص النص من سوء تأويل المفسرين؛ لذلك قد تبدو خلفية الموروث في شرح الوافد عند ابن رشد، مثل إعطاء الأولوية لمنطق اليقين على منطق الظن، والاعتماد على نظرية البيان كما هو الحال عند الشافعي، والبحث عن التعليل، والعودة إلى الأصول إن ولى بعيدا عن الشراح، واحتمالات سوء التأويل، وظهور مقولات علم الأصول مثل الشرط والعلة والبيان. ويطبق ابن رشد مقياس ظاهر كلام أرسطو وهو من مهد الظاهرية نقدا لسوء التأويل. ويستعمل صيغة التساؤل والاستفهام مما يكشف عن تواضع ودقة في البحث عن المعرفة دون القطع والإلزام تعصبا أو تكفيرا.
8
ويدخل ابن رشد في معارك اليونان وكأنه منهم وينتصر للحق.
9
ليست مهمة ابن رشد تخطئة أرسطو بل فهمه واستيعابه وإكماله. الحكم بالصواب أو الخطأ مهمة الفقهاء والمتكلمين وليس الحكماء. هناك تقسيم عمل وتوزيع أدوار ومهام حضارية متعددة في الحضارة الواحدة، ويسقط ابن رشد الأمثال اليونانية الشارحة لأنها لا رصيد لها في الوعي العربي الإسلامي، فالمثل يساعد على الشرح إذا كان مفهوما أكثر من الممثول. ولا يمكن إحالة المجهول أو وصف المعلوم إلى مجهول لمزيد من التعريف والإيضاح. إنما إحالة المجهول أو نصف المعلوم إلى المعلوم.
10
فقد أسقط ابن رشد في الشرح كثيرا من أسماء الأعلام التي لا تفيد في الإيضاح لأنها مجهولة بالنسبة للجمهور، بالإضافة إلى طبيعة النص المنطقي المجرد الذي لا يحتاج إلى ضرب الأمثال على عكس ما هو الحال عليه في الخطابة، والشعر. وأحيانا يشرح ابن رشد أمثال أرسطو حتى يربط المعنى بالمثل.
11
وبطبيعة الحال أرسطو هو الأكثر ذكرا إما مسبوقا بأفعال القول أو أرسطو في قراءة ابن رشد أو أرسطو مفردا. ولا يمكن تحليل أفعال القول لأنها بداية النص المفصول عن الشرح، ولا ترى إلا من حيث عدد النصوص المشروحة. أما التفاعل بين ابن رشد وأرسطو فهو استعمال اللفظ وسط عبارة ابن رشد في الشرح. وقد وضع أرسطو داخل الشرح مجزئا حتى يسهل مضغ اللقمة الكبيرة ثم ازدرادها جزءا جزءا.
12
ويبدأ ابن رشد بالتحليل والدراسة. ثم يستشهد بأقوال ابن رشد على صحتها بإرجاعها إلى نتائج تحليله ودراسته؛ ومن ثم يتفق أرسطو مع ابن رشد. ويذكر ابن رشد أرسطو باعتباره مصدرا للمعرفة يتعلم منه بل باعتباره موضوعا للمعرفة يتحقق من صدق أقواله بمراجعتها على دراسة ابن رشد الخاصة وتحليلاته لنفس الموضوع ولاحتوائه داخل ثقافته في ثقافة إنسانية واحدة تجمع بين الوافد والموروث. ويذكر ابن رشد أرسطو للدخول في معركة تفسيره الصحيح وإنقاذه من بين أيدي المفسرين اليونان والمسلمين. فإذا استعمل ابن رشد «كما يقول» فإنه يستشهد بقوله الذي عرف ابن رشد صدقه من قبل بناء على تحليلاته الخاصة. فأرسطو مخبر وراو عن شيء وليس واضعا لحقيقة لا يعرفها ابن رشد من قبل. يحدد ابن رشد موضوعات أرسطو، ويستبعد الموضوعات التي ليست في كلامه. فابن رشد يعرف الأشياء لا الأقوال. يفهم الأقوال بالعودة إلى الأشياء، ولا يفهم الأشياء بالعودة إلى الأقوال.
13
أرسطو يسمي الشيء وابن رشد يصفه. أرسطو يصرح وابن رشد يذهب إلى ما وراء التصريح، متجاوزا النص الحرفي ليعلن عن الشيء ذاته الذي صرح به أرسطو. أرسطو يقول بعد أن يدرك وابن رشد يدرك ما يدركه أرسطو قبل أن يشرح.