لقد أتى هذا التفسير ليسد الفراغ الذي تركه مفسرو كتب أرسطو وقبولهم الفلسفة لأنها في غاية الظهور، فالعالم موجود والنظر موجود. وزعم المعاندون لأرسطو أن الفلسفة اسم فارغ لا معنى له لأن الوجود سيلان لا يمكن للغة معرفته. ويرد عليهم أشياع أرسطو لإثبات ضرورة الفلسفة. ويحدها أرسطو بأنها صناعة الصنائع وعلم العلوم، وأرسطو هو واضع الصناعة بشهادة تلميذيه ثاوفرسطس وأوديموس، ويستعمل أرسطو كله في المنطق أولا، والطبيعيات ثانيا، والإلهيات ثالثا أي إدخال مقدمة المقولات داخل النص الأرسطي كله، وإعادة توظيفه لصالح المنطق خاصة المقولات، فالأسباب الأربعة مقولات تتداخل طبقا للأجناس والأنواع. ويراها أرسطو صورا موجودة في الكثرة. فهي أنواع وأجناس طبيعية ليست في الوجود لأنه لا يوجد في الوجود إلا أشخاص محسوسة جزئية.
17
وإيساغوجي ليس نظر أرسطو بل نظر فرفوريوس؛ إذ إن فرفوريوس ينظر في الأمور العامية في حين أن أرسطو ينظر فيها من حيث هي ذوات تنقبض إلى عشرة. لم يحددها أرسطو لاشتهارها. وينقد المفسر أرسطو، ويضرب المثل بما قاله في سوفسطيقا بأن رجلا من سبعين وهو أخلوس قتل مائة كنموذج لرداءة التأليف في تركيب الألفاظ التي يجب أن يقاس طولها واختصارها طبقا للمعاني وليس طبقا للألفاظ.
18
ويعرف أفلاطون الفلسفة بأنها التشبه بالله تعالى بحسب الطاقة الإنسانية في علم الحق وفعل الخير، ويشارك في تعريف أوبرنطيس بأنها أيضا تعلم الموت الإرادي أي إماتة الشهوات. وينقد المفسر هذا التعريف الذي يزعم أفلاطون في «فادن». فقد يفهم منه أن الفلسفة إيثار الموت. ويرد عليه بأن الموت والحياة طبيعيان إراديان. فأفلاطون يعني الموت الإرادي لا الموت الطبيعي، ويستشهد بأفلاطون على أنه لا يجب أن يكون للكتاب أغراض كثيرة. ويخرج المفسر إيساغوجي من دائرة المنطق الضيقة إلى رحاب الفلسفة ومسائلها وتاريخها ضاما أرسطو إلى المدرسة التي خرج منها فيثاغورس وأفلاطون بل وأوميروس الشاعر دون خوف من الأساطير آلهة وأبطالا. فيتم الحديث عن النفس وتأليفها من الأعداد، وعند أفلاطون مؤلفة من دائرة هو هو والآخر، الأولى دائرة الكواكب الثابتة والثانية دائرة المتحيزة وأن الباري أخذ خطا مستقيما فشقه بالطول قسمة للأمور إلى فاسدة وغير فاسدة. وكأن أفلاطون يحاور أنطستانس الكلبي حول الأجناس والأنواع.
19
ويستعمل سقراط وأفلاطون كأسماء علم بدلا من زيد وعمرو.
20
ويقارن المفسرون أفلاطون وأرسطو. فلم يزعم فرفوريوس أن الموجود اسم مشترك لأنه أفلاطوني بل هو رأي أرسطو، والقسمة عند أفلاطون تتم بالفصول الجوهرية والحد منها مؤلف، والبرهان المحقق بتوسطها يكون وكذلك التحليل. وعند أفلاطون الجن في الهواء نموذج غير المائت وغير الناطق في مقابل نماذج الناطق المائت، وغير الناطق الكائن، والناطق غير المائت. وفرفوريوس أفلاطوني المذهب بالرغم من أنه يكتب مدخلا لمقولات أرسطو. فالتقابل في الفصول في الجنس بالفعل، ويفسر أرسطو بأفلاطون. فإذا كان أرسطو قد جعل الفلسفة ثلاثة أجزاء تعليمية وطبيعية وإلهية فإن أفلاطون أخرج التعليم من الفلسفة.
21
ويفسر إيساغوجي بنصوص أرسطو وأفلاطون. فمن مؤلفات أرسطو يتعدد قاطيغورياس، فالمقولات أقرب الموضوعات إلى الكليات الخمس، وتذكر في الغالب معربة وفي الأقل مترجمة. ثم تأتي باقي كتب المنطق، فإيساغوجي كان مقدمة للمنطق، مثل طوبيقا، السوفسطية ثم البرهان. كما تذكر باقي الكتب الطبيعية وما بعد الطبيعة.
22
ويرجع المفسر إيساغوجي إلى مجموع كتب منطق أرسطو وأولها المقولات. فالأسماء الخمسة مقدمة لها.
23
كما تتم الإحالة إلى مؤلفات أفلاطون وتأتي «فادن» في المقدمة ثم طيماوس والثاطيطس.
24
ويظهر تاريخ الفلسفة اليونانية بكل مدارسها الأفلاطونية والأرسطية، ويذكر فيثاغورس في حد الفلسفة بأنها العلم بالأشياء الموجودة بما هي موجودة، وأنها العلم بالأمور الإلهية والإنسانية وأنها إيثار الحكمة، ويحدها أمبريطوس بأنها تعلم الموت الإرادي أي إماتة النفس عن الشهوات. واختلفت الآراء في معنى الجسم. فهو مركب من الأجزاء المتشابهة عند أنكساجوراس أو من الأجزاء التي لا تتجزأ عند أبيقورس أو من الأسطقسات الأربعة كما يظن بقراط وأفلاطون وآخرون أو من الأعداد المتآلفة كما يعتقد فيثاغورس أو هي صورة عند الباري كما يرى أفلاطون أو هي عدد محرك لذاته كما يرى كسانقراطس. والطبيعة مطبوعة على شيء واحد عند جالينوس، وأحيانا يذكر من التاريخ ما يصعب التحقق منه مثل يوحنا المفيادروس واللينوس والعصابة الإسكندرانية بأسرها.