تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن البيئة الإسلامية تتصدر قرطبة ثم الأندلس، ثم بلاد الترك، وخراسان وفلسطين وبلاد الحبشان، وبلاد الروم، وكنيسة الغراب.

79

ويضرب ابن رشد المثل «في بلادنا هذه أعني جزيرة الأندلس» على الاعتدال. ويقابل مشاهدة أرسطو للبركان مع ما شاهده ابن رشد من الزلزلة الحادثة بقرطبة وجهاتها عام 566ه وما صاحبها من دوي وأصوات ولم يكن حاضرا بقرطبة. وهي أصوات تتقدم حدوث الزلزلة. وشعر الناس أن الصوت يأتي من جهة الغرب، وشاهد الزلزلة تتولد عن نشأة الريح الغربي. وتمادى الزلزال بقرطبة نحو عام ولم ينقطع إلا بعد ثلاثة أعوام. وقتل في الزلزلة الأولى أناس كثير وهدمت منازل. وزعموا أن الأرض انشقت بقرب قرطبة بموضع يسمى أندوجز فخرج منها شبه رماد أو رمل، ومن شاهدها وقع له اليقين. وكانت عامة في الجهة الغربية من هذه الجزيرة إلا أنها كانت أشد في قرطبة ونواحيها بل كانت بشرق قرطبة أقوى من قرطبة. وكان غربها أخف. وقد حكى أرسطو أن الأراضي تختلف في كثرة الزلازل وقلتها بحسب استعدادها لأن يتولد فيها البخار وبحسب انسداد مسامها، وهو ما يحدث بموضع في الأندلس المعروف بكنيسة الغراب فإنه يسمع فيها دائما شبه الدوي السابق على الزلزلة.

80

ويتحدث عن الجغرافيا من موقعه وليس من موقع أرسطو. فيتحدث عن «شتاؤنا» و«أقاليمنا» و«بلدنا».

81

ويضرب المثل بالبحيرة المنتنة في فلسطين التي لا يعيش فيها حيوان لشدة الحرارة، ويتحدث عما يوجد في أرض مصر مثل الصدف الموجود في البحار «وهو يوجد كثير في بلدنا هذا.» كما يضرب المثل بالخطوط التي لا يمكن قراءتها كالخط الذي يوجد اليوم في هرمي مصر، ويعني الهيروغليفية. ويقول أرسطو إن أرض مصر الآن صائرة إلى الفساد فإنها كانت بحرا فيما حكى أوميروس وغيره ثم جفت وهي الآن صائرة إلى الجفاف حتى تخرب. فهي لا تمطر وإنما يعيش أهلها من النيل الذي يفيض هنالك. ويسمي العرب جميعا الرياح النكباء لتنكبها المهاب المشهورة، وعددها في النسخة المنسوبة إلى أرسطو اثنا عشر ريحا، وعند الإسكندر أحد عشر ريحا. كما يكثر المطر في بلاد الحبشان لكثرة الأبخرة في الجنوب. وتظهر العبارات الإيمانية مثل «إن قدر الله» وعدا بإتمام جوامع الحيوان. وكما تبدأ الجوامع بالبسملة في كل مقالة تنتهي بالحمدلة.

82 (5) النفس

وغرض جوامع النفس أيضا إثبات من أقاويل المفسرين في علم النفس ما هو أشد مطابقة للعلم الطبيعي وأليق بغرض أرسطو وهو إنقاذ نصه من الشراح والمفسرين وإرجاعه إلى موضوعه الطبيعي وهو النفس.

83

ويعد ابن رشد إن فسح الله في العمر وجلى هذا الكرب أن يعيد الكرة بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء، واكتفى بالجوامع بالضروري في الكمال الإنساني وبه يحصل أول مراتب الإنسان، وهو بحسب «زماننا كثير». الجوامع بحث بالجملة أي مع قدر كبير من التركيز بدليل بداية كثير من الفقرات بتعبير «وبالجملة»،

84

وابن رشد لا يعرض فقط أو يحلل بل يصحح ويراجع أقوال السابقين ويصدر أحكاما بالخطأ وبالصواب. فقد غلط من قال بمفارقة المعقولات. وينتهي ابن رشد من الجوامع وهي «الأقاويل الكلية من علم النفس حسب ما جرت به عادة المشائين» أي استمرارا للتراث الأرسطي. ويعد بعدها بالقوى الجزئية في الحاس والمحسوس.

ويتكون من عدد من الفقرات بصيغ أفعال القول المعروفة ليس منها صيغة «قال أرسطو» بل صيغ «نقول»، «قلنا»، «فلنقل»، «أقول»، «قيل»، «القول». فابن رشد هو الذي يتكلم وليس أرسطو.

85

ويحيل ابن رشد السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق من أجل إظهار وحدة الموضوع، ويعود إلى الموضوع بعد كل استطراد معتذرا عنه.

86

وتدل أفعال الشعور المعرفي على أن الجواهر بيان لكثرة استعمال لفظ «يتبين »، بالإضافة إلى باقي أفعال الشعور الأخرى، والفكر اقتضاء وله معاييره الداخلية كما تظهر في أفعال «يجب» و«ينبغي». والفكر دليل وبرهان واستدلال، ومقدمات ونتائج كما يظهر من استعمال لفظ «الدليل»؛ لذلك تنتهي حجج الخصوم إلى أنها «خلاف المعقول»، والجوامع بحث عن الأسباب والعلل يجمع فيها ابن رشد بين الاستنباط والاستقراء، الاستدلال والمشاهدة، النظر والتجربة. وأهم الأسباب هو السبب الغائي. فالغاية هي التي تحدد باقي الأسباب.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٦٤