ثم يبين «الآثار العلوية» أعراض الأسطقسات ولواحقها وهي أقرب إلى الأشياء البسيطة الجزئية. فابن رشد يراجع ترتيب أرسطو ويقترح ترتيبا جديدا متسقا، من البسيط إلى المركب. ويلخص مقالات الآراء العلوية ويعدد مقالاتها ضاما الثلاثة الأولى في موضوع الأمور الجزئية، ومؤصلا الرابعة حول الأجسام المتشابهة الأجزاء ومبينا ارتباطها بالكون والفساد. ثم يستأنف عرض الكتب الطبيعية بعد الآثار العلوية مثل المعادن ثم النبات ثم الحيوان ثم النفس ثم الحاس والمحسوس تخصيصا للأمور العامة في النفس ثم القوى الجزئية فيها كالرؤيا والذكر في مقالة مفردة ثم حركة الحيوان المائية. ثم يفحص أعراض الحيوان كالنوم واليقظة والشباب والهرم، والتنفس والموت والحياة، والصحة والمرض، وكلها أعراض للنفس، وبعض هذه الكتب حصل عليها ابن رشد وبعضها لم يحصل عليه. لقد تبين في كتاب السماء والعالم أن الأجسام البسيطة خمسة، الجسم السماوي والأسطقسات الأربعة وأن النار بسيطة في موضعها لا ثقل لها، وسبب تسخين الشمس وظهر في كتاب «الكون والفساد» أنها توجد على جهة الاختلاط وتتفق بعض الأدلة مع الثالثة من كتاب إقليدس.
ومن الفرق يحال إلى المشائين ثم أصحاب التعاليم ثم المفسرين ثم الأقدمين من الطبيعيين والقدماء.
75
كان الأقدمون من الطبيعيين يرون أن الإبصار إنما يكون بأشعة تخرج من العينين. وجرت عادة أصحاب المناظر أن السبب في اختلاف الرؤية الشعاع الخارج من العين. ويقول أصحاب التعاليم إذا وقعت على السطح على زوايا قائمة نفذ. ويتحدث عن جل أصحاب التعاليم الذين يجعلون مركز فلك الشمس هو مركز فلك البروج.
76
ومن الموروث لا يظهر إلا ابن سينا ثم ابن حيان.
77
فابن سينا تابع بطليموس وأهل التعاليم في أن ما تحت معدل النهار أعدل الأقاليم وأن رأي المشائين أن المناطق المعمورة من الأرض من جهة الشمس على جانبي مداراتها من الجهتين الشمالية والجنوبية وما دون ذلك خال لفرط الحر أو البرد. ويأخذ ابن رشد موقفا وسطا بين الرأيين وهو أن ما تحت معدل النهار يسكن لكن لا على الاعتدال الذي يقوله ابن سينا، بل على جهة الأقاليم التي تمر الشمس بسمت رءوس أهلها. وقد حكى ابن سينا عن الدخان الأرضي الناتج عن الزلزلة أنه يبلغ في بلاد خراسان وبلاد الترك القدرة على إذابة نصل ويستحيل دخانا ويفنى. وربما هي مبالغة من ابن سينا لأن ابن رشد لم يشاهده «في هذه البلاد»، ولا ذكره أحد من المشائين، وقد حكى ابن حيان أن حجرا عظيما وقع في الكنبانية بقرطبة ملتهبا نارا في وقت صحو وكان كبريتي الرائحة في طبيعة النشادر وهو غير بعيد في رأي ابن رشد. ويزعم ابن سينا أن مرآة الرؤية ليست هي جزء من السحاب بل هي هواء مائي يتشكل بحيث يسمح بالرؤية. وحكى ابن سينا أنه رأى هذا الأثر في حمام كان يقع الشعاع فيه بهيئة ممكن ذلك فيها لرطوبة هواء الحمام وقربه من الماء «وقد رأيت أنا وجملة من أصحابي هذا القوس في وهج عظيم.»
78
وقد عذل ابن سينا المفسرين على أقوالهم؛ فقد كان أيضا مراجعا لكتب المفسرين يكتشف أخطاءهم مثل ابن رشد. وقال إن إخوانه المشائين لم يأتوا في أمر ترتيب الألوان بشيء، وزعم أن الأخضر غير الأشقر والأرجواني بالزيادة والنقصان. «ولم يقل هذا الرجل في ذلك شيئا بل تشكل عليهم فقط.» وأرسطو أحق من أن ينصرف إليه هذا العذل لأنه على رأس المشائين. ويقوم ابن رشد بدور القاضي «ونحن ننظر في ذلك على عادتنا.» إذ يصرح أرسطو بأن الأخضر متوسط بين الأشقر والأرجواني، ويعني المتوسط بين الضدين وهو ما يتفق مع ظاهر نصه. وربما قصد المفسرون ذلك وأرادوا هذا المعنى فقصرت عبارتهم بسبب الترجمة أو بسبب آخر، وما سوى ذلك خطأ. وما كان ينبغي لابن سينا استثناء أرسطو من جملة المشائين ولا يطلق القول.