35
ويستعمل ابن رشد لفظ «إلهي» في مقابل «بهيمي» للدلالة على نوعين من الرجال والاحتياجات وعلاقة السيطرة، في القوم ينطلق البهيمي وفي اليقظة بتحكم الإلهي، فالأخلاق والسياسة يقومان على بنية واحدة. وحال وحداني التسلط هو حال من لم ينظر إلى أشرف الأجزاء فيه وهو العقل مثل المجنون والسكران. لا يريد الرئاسة فقط على الناس ولكن على الملائكة لو استطاع لذلك سبيلا. وإذا كان لا أسعد من الملك الفاضل ولا أشر من وحداني التسلط يضع ابن رشد احتمالين أمام الطاغية، إما أن يحصل على القوة العظيمة وإما استخف به. فإن قدر الله له جيرانا يستخفون به تخور قوى الطاغية ويكون أسيرا لهم.
36
ويستعمل ابن رشد آية قرآنية واحدة وحديثا واحدا ومثلا عربيا واحدا؛ الآية في شرح خصائص المدينة الفاضلة، الحجم والسكان. فعظم المدينة لا يكون بالضرورة بحجم سكانها بل ببأسهم
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين . ويظهر حديث واحد «بعثت للأحمر والأسود.» لبيان انتشار الدعوة للبشر جميعا، وهو مشابه لمذهب أرسطو على عكس أفلاطون والذي يريد تحديد حجم المدينة ومساحتها طبقا لطبيعتها ولطبائع الناس، وتظهر بعض التعبيرات القرآنية الحرة مثل «وليس عليهم جناح» أو «خفض الجناح» مثل أن يقوم الولدان مع الوالدين بما يوجب الشرع من خفض الجناح والاحترام. وربما أسقط المترجم العبري بعض الآيات القرآنية واستبدل بها بعض آيات التوراة. أما المثل العربي فهو «مصائب قوم عند قوم فوائد.» حول الشياع في المنافع والمضار عند أفلاطون.
37
ويظهر تعبير «اللهم» كأسلوب عربي وليس له دلالة دينية معينة، ويبدأ التلخيص بالبسملة وينتهي ابن رشد التلخيص بنداء «أدام الله عمركم وأطال بقاءكم.» وهي «التي ألهمنا الله تعالى إليها بفضلكم أدام الله عزكم.» ويدعو «أعانكم الله على ما أنتم بصدده وأبعد عنكم كل مثبط بمشيئته وفضله.» وينتهي بالحمدلة.
38
| خامسا : مختصر المستصفى (الضروري في أصول الفقه) (ابن رشد)
(1) ابن رشد والغزالي
ولأول مرة في المختصر كنوع أدبي وربما في الشروح والجوامع يتوجه التلخيص إلى الموروث وليس إلى الوافد، إلى الداخل وليس إلى الخارج. التلخيص إذن ليس قاصرا على الوافد من أجل تمثله واحتوائه بل هو نوع أدبي من أجل التركيز على المعنى وتجاوز اللفظ بصرف النظر عن مصدر النص، صحيح أن الغالب هو نص الوافد عند ابن رشد ولكن هناك أيضا «شرح الإشارات» للكاشاني، وتعليقات ابن باجه على الفارابي، وابن طفيل على ابن سينا، فلاسفة المغرب يشرحون فلاسفة المشرق ويعلقون عليهم ويلخصونهم. وفلاسفة المشرق المتأخرون يعلقون على فلاسفة المشرق المتقدمين. ولم يحدث أن علق فلاسفة المشرق متقدمين أو متأخرين على فلاسفة المغرب؛ لأن «هذه بضاعتنا ردت إلينا» والشروح والتلخيصات على الموروث تدخل في موضوع مستقل حول النقل والإبداع داخل الموروث وحده، الإبداع في البداية ثم النقل في النهاية بعد القرن الخامس الهجري في عهد الشروح والملخصات.
والضروري في أصول الفقه، مثل الضروري في السياسة.
1
ويعني الضروري المختصر المفيد واللب والجوهر، القلب والأساس، القصد والغاية والهدف. وهو معنى التلخيص أي التركيز. وأصبح لفظ الضروري مرادفا للفظ المختصر «فهو يشبه المختصر من جهة حذف التطويل والمخترع من جهة التتميم والتكميل».
وإذا كان ابن رشد قد نقد الغزالي في الكلام باعتباره ممثلا لعلم الأشعرية وناقدا له في التصوف ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى ذلك بأنه صرح بالحكمة كلها إلى الجمهور، وناقدا له في الفلسفة رادا إليها الاعتبار في «تهافت التهافت» بعد أن نقدها الغزالي في «تهافت الفلاسفة» فإن ابن رشد هنا من كبار المعجبين بالغزالي في أصول الفقه في كتابه «المستصفى»، وهو آخر كتب الغزالي بعد عودته من الطريق الصوفي وانشغاله بالعلوم العقلية من جديد. ربما رأى الغزالي في علم أصول الفقه العلم الذي يجمع بين النظر والذوق في إطار المصالح العامة والاجتهاد والذي يضم الجهد العقلي ومجاهدة النفس في آن واحد.