كما تظهر الفرق الكلامية إشارة إلى المتكلمين.
32
وتأتي كثير من المواد المضافة من ابن رشد فقيها. فالحاجات الإنسانية أنواع: الضروري والحاجي والتحسيني على ما هو معروف في علم أصول الفقه. وهذا هو الذي جعل أفلاطون أن يتعلم كل واحد في المدينة أكثر من صناعة. فمادة علم أصول الفقه هي التي تفسر مقالة أفلاطون.
وهناك منهجان لتحصيل الفضائل: الإقناع والإكراه كما هو الحال في شريعتنا الإلهية، فالدعوة إلى الله تعالى تكون بإحدى سبيلين؛ سبيل الموعظة وسبيل الجهاد.
ويشرح ابن رشد قول أفلاطون فيما يتعلق بشروط الرئاسة. وهي من خلق الله. فأهل المدينة إخوة من أم واحدة غير أن الله خلق في واحد الاستعداد للرياسة فخلط جوهره بالذهب الإبريز وهم المكرمون بين الناس. كما أعد الله خداما لهم، وخلط هيئتهم بالفضة. وخلق العامة في الدرجات الدنيا، وسائر الحرفيين والصناع في بعضهم حديد وفي البعض الآخر نحاس، وعهد الله إلى الرؤساء ألا يراعوا إلا أبناءهم وتقويم طباعهم نزولا على أمر العناية في تخلط المعادن بعضها ببعض، وما قدره الله لا يغيره الإنسان. ولا يعلق ابن رشد على ذلك بنظريته العقلانية والطبيعية.
33
ويحيل ابن رشد إلى المتكلمين في مسألة الخير والشر؛ فقد ذكر أفلاطون وحذر من تلاوة قصص كاذبة للأطفال لأنهم مدعاة للتصديق. كان ذلك مشهورا في أيامه. وأصبح مشهورا عندنا من التمثيل القبيح القول بأن الله علة الخير والشر وهو الخير المطلق الذي لا يفعل الشر ولا هو علة له، وما يقوله المتكلمون من أهل ملتنا في هذا الشأن من أن الخير والشر لا يتصوران في حق الله تعالى أن جميع أفعاله خير قول سوفسطائي بين السقوط؛ لأنه انكار الطبيعة الخاصة للخير والشر، ويكونان بالاتفاق. ينقد ابن رشد الأشاعرة دون تسميتهم وجعلهم الله العلة الأولى لكل شيء بما في ذلك أفعال الإنسان في الخير والشر. كما لا ينسب الشر إلى إبليس أو الشيطان فهو تمثيل ضار على الأطفال وحكاياتهم عن الشياطين وقدراتها على الأفعال العجيبة مما يعزز في نفوسهم الخوف والجبن. ومن أقبح الأمور أيضا القول بتشكل الملائكة بأشكال مختلفة وأن هذا من قبيل المعجزات. والأولى تمثيل الشر بالمادة أو بالظلمة أو العدم. ومع شيوع النسوة والولدان إذا ارتأى الرؤساء أن الحاجة تدعو إلى الإنجاب أقيمت الأفراح في المدينة، ويقربون القرابين، ويولمون الولائم، ويصلون ويتوسلون إلى الله تعالى ليلطف بهم وينشدون الأشعار.
34
ويظهر العلم الإلهي بمناسبة العلم المدني في تقسيم العلوم. فموضوع العلم المدني الأفعال الإرادية، ومبادئها الإرادة والاختيار كما أن موضوع العلم الطبيعي الأشياء الطبيعية ومبادئها الطبع والطبيعة. وموضوع العلم الإلهي الأمور الإلهية ومبدؤه الله سبحانه وتعالى. فالفرق بين الإنسان والطبيعة هي الحرية والإرادة والاختيار. ويفرد ابن رشد فقرات طويلة عن مسألة الخير والشر من الله أم من الإنسان. إذ تقول الشرائع الموجودة «في زماننا هذا» إنه ما أراده الله تعالى غير الأمر الذي أراده الله منهم تتم معرفته عن طريق النبوة. فالشرائع معرفة كما تأمر به «شريعتنا» ومعرفة عملية كما تحض عليه الأخلاق. والقصد واحد؛ لهذا اعتقد البعض أن هذه الشرائع تابعة لحكمة قديمة أي لا فرق في ذلك بين أنبياء الوحي وأنبياء الطبيعة.
والخير والشر هما النافع والضار والحسن والقبيح. ويوجدان بالطبع لا بالوضع. فكل ما يؤدي إلى الغاية فهو خير وحسن، وكل ما يضيف إليه فهو شر وقبيح، وهو ما يظهر في هذه الشرائع وخاصة شريعتنا هذه. وكثير من أهل بلدنا يرون هذا الرأي في شريعتنا هذه.
أما هؤلاء القوم ممن يعرف بالمتكلمين من أهل ملتنا ويعني الأشاعرة فقد قادهم النظر في الشرع إلى القول بأن إرادة الله لا تتعلق بما له طبيعة خاصة، وأن كل شيء جائز وإرادته مخصصة لمراداتها؛ وبالتالي فلا حسن ولا قبح إلا بالوضع، وضع الشرع، ولا غاية للإنسان إلا بالوضع. وقد انتهوا إلى ذلك لتأويلهم للصفات بأن الله قادر ومريد، وأن إرادته جائز أن تتعلق بجميع الجزئيات. فهذا تأويل على الشرع، يصفون الله بصفات ثم يطلبون بعد ذلك موافقة الجزئيات لهذه الصفات دون تناقض معها . وهو قول غير مقنع لا يتعدى القول الجدلي الذي في الشرع بل هو قول سوفسطائي بعيد عن طبيعة الإنسان، ويمنع أن يأتي به الشرع، وهو جزء من آراء الجمهور وليس من الصعب الوقوف على فسادها.