تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

كما تظهر البيئة الجغرافية العربية مثل: الأندلس، الشام، مصر، العراق، الأكراد، الجلاقة.

وقد وصف أفلاطون هذا التحول من السياسة الفاضلة إلى السياسة الكرامية وهو ما حدث تماما في سياسة الحرب القديمة لأنهم حاكوا السياسة الفاضلة ثم تحولوا عنها أيام معاوية إلى الكرامية. ويشبه أن يكون الأمر كذلك في السياسة الموجودة اليوم في هذه الجزر، وتتحول المدينة الجماعية «في زماننا» إلى تسلط مثل الرئاسة التي قامت في قرطبة بعد الخمسمائة. فابن رشد يحقق المناط كالفقيه، ويعطي أمثلة من التاريخ الإسلامي على صدق تحليل أفلاطون «وهو شيء بين في أهل زماننا هذا ليس فقط بالقول فحسب ولكن أيضا بالحس والمشاهدة.» «لا بالقول وحسب ولكن بالمشاهدة.» وينقد ابن رشد ما طرأ «عندنا» من الملكات والأخلاق بعد العام الأربعين أي عام 540 أي خلال حكم الموحدين؛ إذ انقطعت أسباب السياسة الكرامية، وصار أمر الناس إلى الدنيويات. ويثبت منهم على الخلق الفاضل من كانت به فضيلة الشريعة القرآنية. وهم قلة فيهم. فالشريعة القرآنية هي الحافظة للمدن من التحول إلى مدن الكرامة والتغلب.

ويأخذ ابن رشد أمثلة من الشريعة على نحو غير مباشر لشرح أفلاطون لأسباب الحروب مثل السلب والنهب؛ فقد ترسل مدينة إلى مدينة أخرى تطلب منها العون. «إننا لا نستعمل الذهب والفضية فهو حرام في شريعتنا» وهو مسموح به عند آخرين. فيكون الذهب والفضة أحد دوافع الحرب.

30

والناموس الذي يشرع لبناء المعابد وكذا الصلوات والذبائح والقرابين التي تغرس في النفوس الخضوع وتعظيم الإله والملائكة فهو من أمر الله بواسطة النبي. وهي أمور مشتركة بجميع الشرائع لا فرق بين دين طبيعة ودين وحي، بين ما يقره أفلاطون ويقره الشرع.

وفي موضوع أن النساء كالرجال فيلسوفات وحاكمات يتحدث ابن رشد بصيغة «قلت» في أن الرجال والنساء نوع واحد في الغاية الإنسانية؛ ومن ثم فإنهم يشتركون معهم في الأفعال الإنسانية وإن كان الرجال أكثر كدا والنساء أكثر حذقا مثل الموسيقى العملية. الرجال يلحنون والنساء ينشدون ويغنون، ومثل صناعة النسيج والخياطة. يعمل النساء في المدينة ما هو أقل مشقة. أما والحرب من ساكني البراري وأهل الثغور فللنساء فيه من الذكاء وحسن الاستعداد حكيمات وصاحبات رياسة. وقد ظنت بعض الشرائع أن هذا الصنف نادر في النساء فمنعت عنهن الإمامة الكبرى. وهذا مشاهد في الحيوان عندما يقوم الذكور بالدفاع عن الإناث. وفي هذه المدن (الأندلس) اقتصرت النساء على النسل؛ الإنجاب والرضاعة والتربية والقيام برعاية الأزواج وغير مهيأة للفضائل الإنسانية مثل الأعشاب. فأصبحن حملا على المدينة وأحد أسباب فقرها. وهن ضعف عدد الرجال ولا يقمن بالأعمال الضرورية بل يرتقين بأقل الأعمال مثل الغزل والنسيج في حالة العوز والحاجة. وفي الحرب يشاركن الرجال في الموسيقى والرياضة.

وتقام الأضرحة وبيوت العبادة وأماكن للصلوات لحراس المدينة. ويشاع أنهم يصيرون ملائكة يخطون على الأرض، وهي الصورة الإسلامية للشهداء الأحياء.

31

ويعترض ابن رشد على تحريم أفلاطون استعباد اليونانيين لليونانيين وحدهم وجواز ذلك لغيرهم وجعل من يقوم بذلك فقط عصاة لا كفرة وهو الذي يعتقده أفلاطون مناقض لما يعتقده معظم واضعي الشرائع.

ويعتبر ابن رشد من الأسماء المتواطئة «الفيلسوف» و«الملك» و«واضع الشرائع»، «الإمام». فالإمام في اللسان العربي هو من يؤتم به في أفعاله، وهو الفيلسوف على الإطلاق. أما كونه نبيا فيدخل في موضوع الجزء الأول من العلم أي الأخلاق «إن شاء الله»، ويكون على جهة الأفضل لا الضروري. فليس هناك مانع من أن يكون الفيلسوف نبيا على جهة الأفضل؛ ومن ثم لا مانع أن يكون فلاسفة الشرق واليونان أنبياء. وتظهر بعض المصطلحات الفقهية مثل الجهاد بالمعنى الاشتقاقي أو بالمعنى الاصطلاحي. وقد يكون رئيس المدينة عارفا بالشرائع التي سنها المشرع الأول ويكون له قدرة على استنباط مالم يصرح به المشرع الأول فتوى وحكما. وهو المسمى عندنا صناعة الفقه. كما تكون له القدرة على الجهاد، لذلك يسمى ملك السنة. وقد لا تجتمع الصفتان في رجل واحد، فيكون أحدهما فقيها والآخر مجاهدا. ويشتركان في الرئاسة كما كان الحال عند كثير من ملوك الإسلام.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٤٥