16
ويلخص ابن رشد السياسة عند أفلاطون واضعا إياها في منظور أعم مع أرسطو. فالقسم الأول من العلم المدني هو الأخلاق الذي عرض أرسطو في «نيقوماخيا». والقسم الثاني في كتاب «السياسة» الذي لم يطلع عليه ابن رشد.
17
القصد الأول من هذا العلم العمل وليس العلم كما يقول أرسطو. ويقارن ابن رشد بين أرسطو وأفلاطون في الحروب في المدينة الفاضلة. الشجاعة فضيلة في الحرب عند أرسطو وعن اضطرار عند أفلاطون، أما على القصد الأول، فأخذ ما في سائر المدن بالإكراه، وأما على القصد الثاني، فوقاية المدنية من التهديد من الخارج. كما تتم مقارنة أفلاطون سقراط. فما لم يكن مؤهلا لقبول الفضائل الأخلاقية فلا داعي لمداولته. ولا فرق بين الوجود والعدم لديه؛ لذلك فضل سقراط الموت على الحياة لما رأى أنه لا يمكنه أن يحيا حياة إنسانية.
ويظهر لفظ «اليونانيين» مما يشير إلى البيئة الأولى التي نشأ فيها النص.
18
والفلسفة ليست لليونان وحدهم بل تتوزع الفضائل على الأمم كلها. فلا يوجد جنس واحد معد للكمالات الإنسانية وبخاصة النظرية منها. وقد اعتقد أفلاطون ذلك في اليونانيين. ونحن لو سلمنا بذلك فإن الحكمة موجودة في بلدنا هذا الأندلس والشام والعراق ومصر. وإن وجدت عند اليونان أكثر، ولا يقال إن الحكمة النظرية عند اليونان أغلب، والعملية أي الغضبية مثل الشجاعة عند الإكراه والجلالقة أقوى. وعند أفلاطون لا ينبغي لليونانيين استبعاد اليونانيين أو حرق بيوتهم أو اقتلاع أغراسهم لأنه خراب واستئصال وتمزيق. فهي حروب بين أهل البيت الواحد والإخوة الأعداء. ومن يفعل ذلك فإنهم عصاة لا كفرة، وهو مناقض لمعظم الشرائع. كما يحال إلى السوفسطائيين كفرقة وإلى الأخلاق إلى نيقوماخيا وطوبيقا والجدل لأرسطو. والسوفسطائيون يعرضون عن كل ما هو جميل كالفلسفة، ويستحسنون كل ما هو قبيح. كما يشير إلى «القدماء» إحساسا بالتغاير في المرحلة التاريخية. فقد اختلف القدماء عما يجب أن يبدأ به التعليم أو المنطق.
19 (3) الموروث
ويتصدر الموروث الوافد مثل «تلخيص الخطابة» و«تلخيص الشعر» ليس كأسماء أعلام بل كموضوعات ومصطلحات.
20
ويذكر الفارابي راويا عن أرسطو أقواله في حروب المدينة الفاضلة.
21
كما يحيل إليه في الأمور النظرية التي يليق بها أن توضع في أعلى مراتب التمثيل في كتاب «مبادئ الموجودات».
والحقيقة أن حضور الفارابي أكثر مما هو مذكور منه. فالمدن وأنواعها، المدينة الفاضلة ومدينة الكرامة والتغلب كلها من ألفاظ الفارابي، ولكن ابن رشد يركب أفلاطون على التاريخ السياسي للأندلس أكثر مما يركب الفارابي المدينة الفاضلة على تاريخ المشرق مما قد يدفع إلى الحكم بأن المدينة الفاضلة عند الفارابي أقرب إلى «اليوتوبيا» بالرغم من أحكامه على العرب والترك والزنج، وأن المدينة الفاضلة عند ابن رشد أقرب إلى التحليل السياسي لانهيار الحكم في الأندلس، ملوك الطوائف. الفارابي يطبق نظرية الفيض في السياسة وابن رشد يتحقق من صدق أقوال أفلاطون في قيام دول الأندلس وسقوطها، من المرابطين إلى الموحدين وربما إلى انهيار النظام الذي يقوم على وحدانية التسلط.
ويضرب ابن رشد المثل بالمنصور بن أبي عامر على رجال الكرامة الذين لهم السيادة الكلية وليست السيادة الجزئية، فيكون رجل الكرامة سيدا ومسودا في آن واحد. فقد حكى عن المنصور بن أبي عامر أنه كان يخرج في موكبه في الأعياد وحفلات الأعراس قائلا: من يرى أنه أمير المؤمنين فليأمرني فأحضر نفسي أمامه «لأنه لا يكرم النفس إلا من يهينها.» ويضرب المثل بابن غانية على وحداني التسلط الذي يحمل الناس على التمسك بالناموس تسترا على تسلطه. فإذا ما صالح الأعداء وقهر الآخرين عاد إلى المدينة يثير فيها الرعب والحروب والفتن فيستولي على أموال الناس ظانا أنه يسلبهم إرادتهم، ويعجزهم عن خلقه لانشغالهم بالخير اليومي. ويفتك بأصحاب رءوس الأموال ويسلمهم لأعدائهم.