تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

ويظهر مسار الفكر عند ابن رشد، وضع الأشياء في ترتيب معين، والتذكير بالسابق والإعداد للاحق، والتنبيه على ما فات والوعد بما هو آت.

7

ويبحث عن الرؤية الكلية للموضوع بادئا عبارته بالجملة.

8

وهذا مجمل ما قاله أفلاطون.

ويعلن ابن رشد عن نهاية كل موضوع وبداية آخر مما يدل على تعامله مع الموضوعات وليس مع الأقوال. والفكر قصد وغاية سواء المشروح أو الشارح. وأول عبارة في التلخيص «قصدنا في هذا القول». كما يبحث ابن رشد عن الأسباب كفقيه، يبحث عن العلل وراء الأحكام، وهو ليس سببا واحدا بل قد يكون عدة أسباب؛ لذلك تبدأ كثير من الفقرات بلام التعليل و«لذلك».

9

والفكر اقتضاء، بحث عما ينبغي أن يكون، فكر معياري وليس مجرد فكر وصفي، وهو إيجاب وسلب، وينبغي ولا ينبغي.

10

ويستعمل ابن رشد ثقافته الطبية في التلخيص. فنسبة القسم الأول من العلم المدني وهو الأخلاق إلى القسم الثاني وهو السياسة كنسبة تناسب الصحة والمرض إلى كتاب حفظ الصحة وإزالة المرض. فالأخلاق تشخص والسياسة تعالج. والفضائل النظرية لا يكفي تحويلها من القوة إلى الفعل إلا بقوة العقل مثل صناعة الطب التي تجمع بين النظر والاكتساب مع طول العمر، وكذب الرؤساء على العامة يصلح لهم كما يصلح الدواء للمريض. ويتحقق من صدق أقوال أفلاطون الطبية. إذ يرى أفلاطون أن الأمراض التي تحدث في المدن لم تكن على مذهب اسقليبوس، وأن الأسماء التي وضعت لها مستحدثة، وهي الأمراض التي سببها سوء أخلاط المواد كالخراجات والحمى. وصناعة القاضي مثل صناعة الطب في المدينة. كلاهما يزيل الأضرار ويداوي الشرور، القاضي من النفس والطبيب من البدن.

وتتحول المدينة الجماعية إلى وحدانية التسلط لإفراط في الحرية حتى تصبح حرية مطلقة فيطرأ على المدينة زنابير على رئاسة القلة. كما تكثر في الأجسام السقيمة نشوء الأخلاط أي الصفراء والسوداء، فحذر المدنية من ذلك مثل حذر الطبيب، يجب استئصالهم مثل ما يستأصل الطبيب المرارة والبلغم.

11

ويضع ابن رشد مصطلحات جديدة مثل «وحدانية التسلط» إشارة إلى الحكم الاستبدادي أو ما يسميه اليونان «الطغيان». ويستعمل مصطلحات قديمة بمعاني جديدة مثل الجهاد بالبدن وهو أحد الشروط الخمسة للرياسة مع الحكمة والتعقل التام وجودة الإقناع وجودة التخييل، فللرئيس قدرة مبدئية على مزاولة الأشياء الجهادية.

12 (2) الوافد

ومن الوافد يتصدر أفلاطون بطبيعة الحال ثم أرسطو ثم جالينوس ثم سقراط وإقليدس، واسقليبوس.

13

يشرح ابن رشد الفكرة بتتبعها عبر كتب الجمهورية وفصولها وليس عبارة عبارة على التوالي مثل التفسير الموضوعي للقرآن وليس التفسير الطولي مثل آرائه في العدل، وانتفاء الطبائع المعدة للتحلي بالفضائل وطرق تثبيتها. وأفلاطون ابن بيئته وزمانه. الألحان التي يصفها كانت في زمانه. وابن رشد يفحص الألحان في «زماننا». في زمانه المدينة ألف مقاتل. تحدث أفلاطون عن الآراء المشهورة في زمانه مثل طبيعة العدل في المدينة. يبدأ أفلاطون بالتعليم أي بالرياضيات لأن المنطق في أيامه لم يكن قد وجد بعد. فقد تطور الروح اليوناني من الرياضي إلى المنطقي. والأصوب عند ابن رشد البداية بالمنطق ثم العدد ثم الهندسة والهيئة والموسيقى ثم المناظر وعلم الأوزان ثم الطبيعة ثم ما بعد الطبيعة.

14

ويعترض ابن رشد على أفلاطون. فليس الشرح موافقة بالضرورة. إذ يمكن الاعتراض على أفلاطون بأن الناس يمكن أن يكونوا متحابين بالفضائل إذا نشئوا عليها منذ الصغر، وتغيب إذا فسدت أحوالهم عبر السنين.

15

ويستعمل علومه الطبية كمادة للمقارنة مع العلم المدني في الموضوعات التي تسمح بذلك مثل الرياضة والطعام والشراب لا من حيث هي فضائل بإطلاق كما هو الحال عند جالينوس بل من حيث فضائل خاصة تستكمل بها النفوس التي تستأهل فعل الحفظ مثل الشجاعة. ويبين خلط جالينوس في فهم عبارة أفلاطون حول ما إذا كان الأفضل الإكثار من الاحتفالات جهلا منه بقصده. فالاحتفالات شرط الشيوع. وينقد حكايات أفلاطون من أن النفس لا تفنى وما تئول إليه نفوس السعداء من ذوي العدل من النعيم واللذة وما تئول إليه نفوس الأشقياء الحيارى. ولا تمثل هذه الحكايات أي شيء لأن الفضائل الصادرة عنها ليست حقيقية . وإذا قيل إنها فضائل فباشتراك الاسم لأنها من المحاكاة البعيدة؛ لذلك يحكم عليها بأنها ضلال وليست ضرورية لأن يصير الإنسان بها فاضلا بل ربما تسهل عليه الطريق. ولكل شعب حكاياته. ولا فضل لأساطير اليونان في التمثيل على أساطير غيرهم. وقد اختلف فيها القدماء واضطرب أمر أفلاطون فيها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٤٢