تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

108

فلكل شيء صورتان؛ روحانية وهي الصورة المحاكية، وجسمانية وهي الشيء المحسوس. والمحاكية أكثر روحانية لأنها أقرب إلى طبيعة الكل تدركه القوة المتخيلة. ويبدأ التلخيص كالعادة بالبسملة والدعاء في كل مقالة وتنتهي بالحمدلة.

109

| رابعا: تلخيص العلم المدني (ابن رشد)

(1) آليات التلخيص

بالرغم من أن معظم شروح وتلاخيص وجوامع ابن رشد كانت لأرسطو وعروضه كانت لجالينوس إلا أن تلخيصا واحدا له كان لجمهورية أفلاطون وهو «الضروري في السياسة» أو «مختصر كتاب السياسة لأفلاطون».

1

ألفه قبل وفاته بعد سنوات. وقد ورد في بعض الفهارس على أنه جوامع سياسة أفلاطون، ولكن أقرب إلى التلخيص «سالكين في ذلك سبيل الاختصار كما هي عادتنا في ذلك.» كما ورد في بعض الفهارس الأخرى وكما هو موجود في العنوان الثاني، وكانت عادة ابن رشد تسمية التلخيص مختصرا مثل «المختصر في علم النفس»، «واختصار العلل لجالينوس»، «مختصر المجسطي»، بل إن لفظ المختصر قد يتجاوز التلخيص كنوع أدبي محدود إلى المعنى العام بمعنى التركيز الذي قد يشمل الجوامع كما هو الحال في «جوامع ما بعد الطبيعة». وهو كله نوع من الشرح كما يطلق عليها ابن رشد في نهاية التلخيص «وبانتهائها انقضى الشرح». وهو كتاب «السياسة» المنسوب إلى أفلاطون إحساسا بالعلاقة غير الضرورية بين المؤلف والكتاب وافتراض النسبة الخاطئة على عكس الحكم الشائع بعدم وعي المسلمين بصحة نسبة الأعمال إلى أصحابها، ويستبعد ابن رشد المقالة العاشرة؛ لأنها أدخل في صناعة الشعر؛ فالتلخيص يعني حذف ما لا يدخل في الموضوع.

2

ولا تظهر أفعال القول كثيرا قبل خطاب مباشر ولا خطاب غير مباشر، فقد ذكرت أفعال القول دون أفلاطون ثم بعد الفاعل، وليس بالضرورة في أول الفقرة. وذكرت أفعال الشعور المعرفي مثل الظن والذكر والانتقاد والرؤية إيجابا وسلبا. كما تذكر أفعال البداية والنهاية مثل شرع، انتهى.

3

وفي مقابل ذلك هناك أيضا صيغ «قلت»، «قلنا». أفلاطون يقول وابن رشد يبادله القول في مواقف رشدية خالصة.

وبين الحين والآخر يتوقف ابن رشد عن شرح أفلاطون ب «قال» ويخرج عن نصه ليكتب نصه الخاص به «نقول» وقد تظل صيغة «قلنا» تعني الاستمرار في شرح يقول وتذكارا بالماضي، والموضوعات التي ينفرد بها ابن رشد بصيغة «قلت» هي أشعار العرب التي يحاكي فيها الشعراء أي شيء حتى ولو كانت الأشياء الدنيا دون اقتصارها على محاكاة الفضيلة، وموضوع مساواة النساء بالرجال وتمايز كل منهما بأفعال، دون استثناء الشريعة الإمامة الكبرى، وموضوع العلوم النظرية كالطبيعة وما بعد الطبيعة والعلوم العملية كالأخلاق والسياسة واعتبار البعض الأمور النظرية أزلية حتى وإن طمستها الأخلاط من زمن الطفولة.

4

ويحول ابن رشد محاورة «الجمهورية» لأفلاطون إلى خطاب برهاني في السياسة مستخلصا «الأقاويل العلمية»، وأضاف عليها أمورا نظرية منهجية. غرضه «تجريد الأقاويل العلمية»، وحذف الآراء والأقاويل الجدلية، فالتلخيص تحويل القول الخطابي إلى قول برهاني.

5

وهنا يضيف ابن رشد مصطلحا جديدا هو «الضروري» كما هو الحال في «الضروري في المنطق»، «الضروري في علم أصول الفقه». ويظهر لفظ الضروري داخل المتن في «المختصر في علم النفس»، وهو غير التلخيص. كما يظهر لفظ «الضروري» في «جوامع ما بعد الطبيعة». فلفظ الضروري يعني الأساسي الجوهري، القلب، اللب؛ لذلك يضع ابن رشد أقاويل أفلاطون ويصنفها طبقا لأنواع الأقاويل الخطابية والجدلية والبرهانية.

والفكر منطقي استدلالي، له مقدماته ونتائجه؛ لذلك تبدأ كثير من الفقرات بحروف وأفعال الشرط وتنتهي بجوابه. يعني التلخيص توضيح الفكر وجعله بينا بنفسه. فالتلخيص بيان. ويتخيل ابن رشد المعترض سلفا ويرد على اعتراضه كما هو الحال في الأسلوب الكلامي والفقهي، ويستعمل لغة الترجيح عندما لا يكون مستوثقا من الحكم كما هو الحال عند القاضي وكما هو مدون في علم أصول الفقه في باب التعارض والتراجيح. فالراجح عنه أن المدينة لا تستعمل كثيرا من الأدوية إلا ما ظهر من الأمراض وليس لذوي العاهات.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٤١