تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

82

وأرسطو هو مصحح آراء القدماء والمفند لها. رد على آراء أفلاطون بالرغم من شهرته. فليست النفس عظما من الأعظام أي جسما من الأجسام. ويبدو أرسطو راويا عن القدماء، فقد أتى في نهاية الفلسفة اليونانية كما أتى ابن رشد في نهاية الفلسفة الإسلامية قبل ازدهارها من جديد في إيران. فالخلد كما يروي أرسطو له عينان تحت الجلد وليس يبصر إلا ما زعم بعضهم أن يبصر ظلال الأشباح. وقد أحسن الإسكندر تأويل معنى العقل المنفعل عند أرسطو. أما سائر المفسرين فإنهم فهموا، من قوله إن العقل الهيولاني غير مخالط، أنه جوهر مفارق، وطبقا لتأويل الإسكندر العقل بالقوة مجرد استعداد. إن ثامسطيوس وأغلب المفسرين يرون أن العقل الذي فينا مركب من العقل بالقوة والعقل بالفعل أي الفعال. ولأنه مركب فإنه لا يعقل ذاته بل يعقل المعاني الخيالية، ولأنها فاسدة يفسد ويعرض له الغلط والنسيان، ويتأولان قول أرسطو في ذلك. ويحال إلى باقي أقوال أرسطو في الموضوع تفسيرا لأرسطو بأرسطو. ويستعمل ابن رشد تشبيهات أرسطو مثل تشبيه حالة العقل بالخط المنعطف لأنه يشبه أخذ العقل الصورة بالخط المستقيم.

83

ولا يقبل ابن رشد أقوال أرسطو على طول الخط بل يراجع بعضها لأن بها نظرا. فيقول مثلا إن الطعم هو بمنزلة اللمس وفيه نظر، وهو نفس رأي أفلاطون وجالينوس. وقد وعد أرسطو بأن يفحص موضوع المفارقة في العقل ولكنه لم يحقق وعده؛ إذ لم يجد ابن رشد له شيئا في ذلك، وكأن ابن رشد يريد إكمال مذهب أرسطو من داخله حتى يكتمل، ففيه اكتملت الحقيقة.

84

ومن مؤلفات أرسطو يحال إلى البرهان ثم القياس ثم الحس والمحسوس. ومن أفلاطون يحال إلى طيماوس.

85

فقد تبين في كتاب البرهان أن كل معرفة تنتهي إلى البرهان أو إلى الحد. فالبراهين تتكون من حدود على ما تبين أيضا في كتاب القياس، والموجود لا يعني بالضرورة ما قيل في كتاب البرهان وهو كون المحمول في جوهر الموضوع أو كون الموضوع في جوهر المحمول، أي الجوهر والعرض. فقد يعني الوجود بالذات ما يقابل الوجود بالقياس على غيره. أما سبب رؤية الأشياء في الظلمة فقد تم عرضه في كتاب الحس والمحسوس، وكما تبين في الثامنة من السماع أن لا شيء يحرك ذاته. كما تبين في السادسة منه أن كل متحرك جسم. وفي الكون والفساد تم عرض موضوع الفعل والانفعال. وقد عبر أيضا أفلاطون عن النفس محركا للبدن في محاورة «طيماوس» وهي في المحاورة جسم من الأجسام السماوية.

86

ومن الفرق يحال إلى القدماء ثم المهندسين ثم المفسرين، والجدليين، وأصحاب الجدل، والسوفسطائيين، والطبيعيين، وصاحب علم التعاليم، وصاحب العلم الطبيعي إذ يوجد نفس المذهبين عند القدماء في النفس، المذهب المادي والمذهب الصوري.

87

وكثير من القدماء يرون أن النفس تحرك البدن. ويختلف أصحاب العلم الطبيعي في الحدود عن الجدليين نظرا لاختلاف العلمين، المنطق والطبيعة. ولم يصب الطبيعيون المتقدمون في قولهم إنه لا يوجد شيء أبيض ولا أسود دون بصر ولا طعم ولا فرق. فهو قول صحيح من وجه وغير صحيح من وجه آخر، صحيح على المحسوس بالفعل وغير صحيح على المحسوس بالقوة. ويقول المهندسون: إن النقط إذا تحركت أحدثت خطوطا وإن الخطوط إذا ركبت أحدثت سطوحا، والسطوح إذا تحركت أحدثت أجساما، فإذا كانت النفس تتحرك فعليها إحداث ما تحدثه النقطة. والنقط تتطابق عند المهندسين لأنها لا تنقسم. ويقول السوفسطائيون إن جميع ما يسنح في الذهن ويتصور فهو حق فلا يوجد غلط أصلا لأن النفس لا تدرك إلا ما هو موجود في طبيعة الأشياء.

88

ويختفي الموروث كلية بالرغم من إمكانية تعشيق الوافد الموروث في موضوع النفس. وقد قيل إن الباري لما صاغ النفس من الأسطقسات صاغها أولا خطا مستقيما ثم جناها إلى دائرة ذات عرض ثم قسمها قسمين وكل واحدة سبع دوائر وهي الأفلاك. ويبدو الله تصورا حديا للنفس لأن تصورها عند ابن دقليس مكونة من ثمانية أجزاء يجعل المبدأ يجهل أكثر مما يعلم، يعلم ذاته ويجهل سائر المبادئ، وهو ما يستلزم نسبة الجهل إلى الله عز وجل وهو الفلك عنده، وقال قوم إن النفس شائعة في كل العالم، وهذا هو أحد المواضع التي يظن منها أن الأشياء كلها مملوءة من الله. وإذا كان الله تبارك وتعالى صيرنا من السكون إلى الحركة فإن الحركة تكون أفضل من السكون، وأفضل من سائر الحركات. فأفعال الله كلها كمال وعرية عن النقص. والعقل خليق أن يكون أحق الأشياء مما فينا وأن يكون شيئا إلهيا غير منفعل أي غير مركب من هيولى وصورة. والحركة المتصلة الدائمة توجد للآلهة التي هي الشمس والقمر وسائر الكواكب والسموات بأسرها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٣٨