75
لقد أجادوا في قولهم إنه غير متكون ولم يجيدوا في قولهم إن مبدأه العيون. فالكلام العلمي شيء والديني شيء آخر تمايزا بين الدين والعلم، وينطلق تعبير «سبحان» إعجابا بأرسطو الذي لم ينس شيئا ولم يقصر في شيء «فسبحان الذي خصه بالكمال الإنساني وبهذه القوة الإلهية التي وجدت فيه. كان هو الموجود للحكمة والمتمم لها.» والعجيب غياب البسملة. ويسقط لفظ الحمدلة في آخر المقالة الثانية في النسخة الأم وكذلك في آخر الثالثة والرابعة. (4) تلخيص النفس
وهو تلخيص بالجملة أي تركيز على المعاني
76
يتكون من مقالات ثلاث متساوية كما تقريبا.
77
ولا تظهر كلمة فصل إلا مرة واحدة في الثالثة. ويعبر ابن رشد عن قصد أرسطو أي عن الموضوع القصدي الذي هو قصد ابن رشد أيضا، والتلخيص مكون من عدة فقرات أكثر من نصفها يبدأ بصيغة «قال» كما هي العادة في التلخيص عندما يبدأ ابن رشد من قول أرسطو وينتهي إلى ابن رشد. هناك أيضا صيغة «نقول» أي إن ابن رشد يقول مع أرسطو على التبادل.
78
ويحيل ابن رشد السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق تأكيدا على وحدة الموضوع.
79
ويظهر منطق الاستدلال والبرهان في التلخيص في صيغ أفعال البيان مثل «تبين». كما يظهر لفظ «البرهان» و«الدليل». كما تظهر صيغ الشرط التي تضع المقدمات وتستنبط النتائج مثل «لما كان»، «إذا كان»، «لما»، «كما أن». وتظهر أفعال الشعور المعرفي الأخرى مثل «ظن»، «شك»، «لزم»، «تقرر»، «فرض». والفكر معيار واقتضاء له بنيته الداخلية، ويقينه وصدقه من ذاته كما يبدو ذلك من أفعال «ينبغي».
80
والفكر أيضا يبحث عن العلة والسبب فهو فكر تجريبي. وباقي الفقرات تبدأ بالموضوعات ذاتها مثل الحاسة والحواس والمحسوسات، والعقل والمعقولات، والحق والباطل، والنفس والحركة.
ويتصدر الوافد الموروث على الإطلاق. يتصدر أرسطو بطبيعة الحال، ثم ابن دقليس، ثم ديموقريطس، ثم أفلاطون، وأنكساغوراش، ثم فيثاغورس، والإسكندر، ثم مالسيس، وأبورقليطس، وجالينوس، وأوميروش، وثامسطيوس.
81
وواضح أن المعركة مع الطبائعيين الأوائل أو الماديين الذين يجعلون النفس مادة غير مفارقة فهي عند ديموقريطس نار. وهو قول أقرب إلى الحق لأنه حكم على النفس والعقل وجعلها من طبيعة واحدة، من الأجسام النارية الكرية الشكل التي لا تتجزأ، وأن النفس تحرك البدن. ولم يصب في قوله إنه لو كان التوسط بين الحاس والمحسوس خلاء لكان الإبصار أتم لدرجة إبصار النحلة بين السماء والأرض، واعتقد مالسيس أن التحريك أولى شيء بالنفس. أما ديوجانيس فقد ظن أن النفس هواء لأنه ألطف بالأشياء، وجعلها أبورقليطس بخارا. وكان يتصور مع كثير من القدماء أن كل شيء متحرك ولا شيء ساكن.
وفي مقابل الماديين هناك المثاليون مثل فيثاغورس (وشيعته) الذي يعتبر النفس الهباء. وقد تكلم رمزا باللغز على طريقة السياسة المدينية واعتبره الناس حقيقة. وهي عدد وكأن العدد يحرك الحيوان. وهو مذهب أفلاطون. وقد اعتقد في بعض كتبه أن النفس من طبيعة المبادئ، وعند أنكساغورش الظاهر أن النفس والعقل شيء واحد وأن العقل هو الذي يحرك القول، وأن العقل هو سبب الاستقامة. ويظهر أحيانا من قوله إن النفس غير العقل، فالعقل مبدأ المعرفة والتحريك، ويحمد على هذا القول.
وكذلك الأمر عند ديموقريطس مستشهدا بقول أوميروش في بعض أشعاره أن من فقد حواسه فقد فقد عقله. والعقل غير مخالط حتى يمكن أن يعرف. وأنبادقليس جعل المبادئ كثيرة وهي الأسطقسات الأربعة والبغضة والمحبة، وجعل النفس مركبة منهما، وأن كل واحد من الأعضاء على نسبة من اختلاط الأسطقسات. والعظم عنده ثمانية أجزاء جزءان من الأرض وأربعة من النار واثنان من الماء والهواء. وكل واحد منها يعرف بشبيهه وهو قول شديد الغموض، ويلزم منه أن كل مبدأ يمهل أكثر مما يعرف وبالتالي نسبة الجهل إلى الله. ولم يصب ابن دقليس حين نسب هذه الأفعال في النبات إلى الأسطقسات. وكذلك لم يصب في قوله إن الضوء متحرك ينتقل من جسم إلى جسم، من الهواء إلى الأرض، لأنه خارج عن القياس. ويقول إن الفهم والإحساس شيء واحد كما قال أوميروس أن الحس والعقل شيء واحد.