89
وكعادة اللسان العربي يضرب ابن رشد المثل بزيد وعمرو كمثل على الشخص العام في مقابل اللسان اليوناني. فإن فعل البصر يقال له إبصار، وفعل اللون في الحاسة لا اسم له في اللسان اليوناني.
90
وكما يبدأ التلخيص بالبسملة والعون تنتهي كل مقالة بالحمدلة والتوحيد.
91 (5) تلخيص الحاس والمحسوس
وهو ثلاث مقالات، يشمل الصحة والمرض، والشباب والهرم، والنوم واليقظة والذاكرة والتذكر، والرؤيا والأحلام وهو ما يعرف باسم الطبيعيات الصغرى.
92
وهو مرتبط بكتاب النفس الذي له تفسير كبير وجوامع. ويتضمن ثلاث مقالات؛ الأولى عن القوى الجزئية للنفس، والثانية عن الذكر والفكر، والنوع واليقظة والرؤيا، والثالثة عن طول العمر وقصره. وواضح أن التلخيص سابق على مرحلة تالية هي الشرح إذا شاء الله في العمر كما يعد ابن رشد.
93
ويبدأ أول التلخيص بفعل «قال» مرة واحدة ولا يتكرر في أول كل فقرة مما يجعله ينحو نحو الجوامع. كما يبلغ من وضوحها وتركيزها أنها أقرب إلى الجوامع، ومع ذلك تتكرر أفعال «نقول»، «قلنا» أكثر من فعل «قال» مما يدل على أن ابن رشد هو الذي يتحدث بمناسبة أرسطو ولا يلخص أرسطو أو يشرحه، إذ تفوق صيغ المتكلم، مفردا أو جمعا صيغة الغائب عشرات المرات.
94
والعنوان حديث للغاية «الحاس والمحسوس» أي الذات والموضوع وكلاهما وجهتان للذات.
95
ويضع ابن رشد «الحاس والمحسوس» في مجموع فلسفة أرسطو الطبيعية مفسرا الجزء بالكل.
96
ويصف مسار فكر أرسطو بداياته ونهاياته، مقدماته ونتائجه.
97
ويقسم المقالات طبقا لمنهج الاستدلال، الأولى للبرهان، والثانية للتعليل. وكثيرا ما يستعمل ابن رشد أفعال البيان.
98
والفكر اقتضاء ومعيار، وضع لما ينبغي أن يكون. كما يبحث ابن رشد عن العلل جامعا بين البرهان والمشاهدة، بين القياس والتجربة. ويستطرد ثم يعود إلى الموضوع.
99
وبطبيعة الحال يتصدر الوافد الموروث على الإطلاق. ويتصدر الوافد أرسطو ثم جالينوس ثم سقراط وهرقل وفيثاغورس وأفلاطون.
100
فأرسطو هو مؤلف كتاب النفس، وضع فيه القول الكلي والتعليل. والصناعة مقصرة عن الطبيعة، والطبيعة أكمل من الصناعة. ويلخص ابن رشد أسباب طول العمر وقصره ليس بحسب رأي أرسطو وحده بل أيضا بحسب ما تقتضيه الأصول الطبيعية أي أن ابن رشد يدرس الموضوع أولا بنفسه ثم يراجع الأدبيات حوله ثانيا للتحقق من صدقها.
وعند أرسطو للصورة مراتب بين الطيف والكثيف. وكل حاسة عنده هي الطريق إلى المعقولات. والذين لم يعدموا هاتين الحاستين هم أكثر عقولا وأجود إدراكا. والذاكرة عند أرسطو تتم بتعاون القوة المحضرة للمعنى والقوة المركبة له في الخيال. تعمل هذه القوى بمفردها أو بتعاونها مع بعضها البعض، ويبدو أرسطو راويا عن الآخرين مثل حجج الذين يقولون إن النفس لا تحتاج إلى المتوسط ثم رد أرسطو عليها. كما يبطل قول من قال إن القوة المبصرة تمتد من العين إلى الشيء وهو قول أفلاطون. لقد أخطأ المعبر عبارتها، وصمت حين نام، وبقي مشغول النفس بها. وعند أرسطو الحس بالفعل جسماني والذي بالقوة روحاني؛ ومن ثم يجب العدل بين القوتين. وقد تكلم أرسطو في الرؤيا. وينبغي عنده أن يكون المعبر متعاهدا لنفسه بالفكرة والنظر والنظافة. وقد حكى رؤية غريبة عرضت لهرقل.
101
ويخطئ ابن رشد جالينوس عندما ظن أن الهواء حساس، والماء عنده الرطوبة الزجاجية ويسميه أرسطو الرطوبة البردية. والمزاج المعتدل عند جالينوس أحد العوامل المحددة لطول العمر وقصره. أما فيثاغورس فكان يعتقد أن الضوء يكون في جسد شفاف. وأفلاطون كان له رأي في إدراك النفس محسوساتها، وهو وجود صور المحسوسات في النفس بالفعل، ولا تستفيدها من الخارج، والخارج إنما هو منبه ومذكر على الداخل. وقد قال سقراط محتجا في أثينا: «يا قوم إني لست أقول إن حكمتكم هذه الإلهية أمر باطل ولكني أقول إني حكيم بحكمة إنسانية.» الحكمة الإنسانية العقلية البديهية أقدر على نقد الحكمة الإلهية المزيفة. فالعقل البشري تطهير للدين المؤسس. ويقول ابن رشد «وسنظهر هذا فيما بعد بحسب قوتنا واستطاعتنا.»