تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

ويعني ابن رشد بالقدماء كل السابقين، يونان وغير يونان وآراءهم في الخلاء والدهر، ويبدأ ابن رشد وأرسطو قبل فحص أي موضوع بذكر آراء الأقدمين المخالفين وحججهم لحل الشكوك ومتى يكون قول أرسطو وابن رشد أتم تصديقا وأكثر قبولا عند محبي الحق، فلا يوجد فكر بلا جدل في التاريخ. وتتعدد آراء القدماء وتتضارب حتى يظهر أرسطو وابن رشد فيحق الحق الواحد أمام الاحتمالات الكثيرة. ويدل لفظ «القدماء» على معنى سلبي إذ يزعم القدماء ويظن القدماء ويرى القدماء. أقوال القدماء خارج الإقناع والقبول. القدماء أصحاب مذاهب في حاجة إلى تمحيص وفحص ومراجعة حتى يختتم أرسطو الحق ويعلنه ابن رشد، وكلاهما خاتما الحكماء. وطبيعة التلخيص تبديد شكوك القدماء والانتصار لأرسطو ومعرفة إذا كانت أقوالهم مقنعة أم لا.

21

ولا يخطئ ابن رشد أرسطو القدماء دائما بل يحمد القدماء في طلبهم علة المشاهدة؛ فطلب العلة هو الفلسفة الحق. بل يتعرف ابن رشد وأرسطو معا على مقصد القدماء وغرضهم. لكلام القدماء ظاهر وباطن وفي حاجة إلى تأويل ومع ذلك غمضت بعض المواقع على المفسرين.

22

ومن الوافد الشرقي يظهر اسم الكلدانيين الذين يتفقون مع آراء الإسلاميين واليونانيين على أن الجرم موطن الروحانيين والملائكة. فقد كانت لديهم حكمة موجودة قديما، ويحقق ابن رشد المناط على طريقة الفقهاء عندما يتحدث أرسطو عن أقاويل الآراء السالفة في الأحقاب الدائرة ويعينهم ابن رشد بالكلدانيين وقولهم إن في الوجود شيئا من الأشياء المتحركة فاسدا ومنقضى وشيئا دائم الوجود غير فاسد ولا منقضى، وليس لحركتها بداية ولا نهاية. هو نهاية كل نهاية، وغاية كل غاية، والمحيط بكل محيط، تام غير ناقص.

23

ومن الموروث يتصدر ابن سينا ثم الفارابي.

24

ويبدو الفارابي شارحا أرسطو مثل ثامسطيوس ومتفقا معه فلا خلاف بين المفسرين في ظاهر كلامهم لشرح السماء والعالم في أن الجرم السماوي لا موضوع له. وهو رأي الفارابي أي مذهبه، وأحيانا يتشكك أبو نصر على أرسطو وهو أن المعنى الموجود للسماء من هذه الجهات مقول بالتشكيك. والواقع أن المقدمات المشهورة قد تستعمل بوجه ما في البرهان خاصة في الأشياء التي ليس بأيدينا فيها مبادئ إلا من هذا الجنس. وإن لم يفهم مذهب أرسطو حسب هذا القول تلحق شكوك ليس يخلو منها كما عرض لأبي نصر وغيره.

25

ولكن ابن سينا هو الذي انحرف كلية عن أرسطو؛ فقد تابع الإسكندر في بعض مقالاته وقال إن واجب الوجود قسمان؛ واجب الوجود بذاته وممكن الوجود بذاته واجب بغيره؛ ظانا أن هذا ما يوافق مذهب أرسطو. كما اعتقد ابن سينا أن الجرم السماوي المتحرك عن الصورة المحركة له مؤلف أيضا من صورة ومادة؛ ومن ثم لزم الشك، ولوجب الاعتقاد أنه يوجد شيء أزلي فيه إمكان الفساد من غير أن يفسد. ولا عجب أن يخفى هذا المعنى على ابن سينا والإسكندر مع أنه يسلم أن الجرم السماوي بسيط غير مركب من مادة وصورة، وذلك ظاهر من قوله في شرح مقالة اللام.

ويظهر لسان العرب على استحياء كمقياس للمصطلحات. فالأصل في لسان العرب أن الثقل والخفة ليسا قوة في حين أنهما كذلك عند أرسطو.

26

ومعظم أسماء الأماكن، البلاد والجزر والبحار والأهالي كلها موروثة وليس فيها اسم وافد واحد مما يدل على السياق، سياق الأنا الجغرافي والبشر الذي توضع فيه ثقافة الآخر، العالم الإسلامي شرقا وغربا؟

27

ويعترف ابن رشد وأرسطو بتقدم الأرصاد عند أهل بابل ومصر قبل أرسطو وبطليموس. ويرصد ابن رشد الكواكب ويعرف مطالعها من أرض مصر وأرض قبرص. ويتحدث عن النجم سهيل «الذي لا يظهر في بلادنا هذه التي هي جزيرة الأندلس ولكن يحكى أنه يظهر في جبل سهيل. ويظهر في بلاد البربر خلف البحر الذي بيننا وبينهم المسمى بالزقاق.» وقد عاين ابن رشد نفسه بمراكش عام 548 كوكبا على جبل درن فزعموا أنه سهيل. وقد حكى أرسطو عن قوم يرون صغر الأرض وأن موضع صنم هرقل وهو المعروف عندنا بجزيرة قادس قريب من حدود الهند. فالطرح واحد بدليل وجود الفيلة في الهند والمغرب وفي الجنوب في بلاد السودان. كان أرسطو على وعي بجغرافيا المنطقة كلها خاصة بلاد الشرق بعد فتوحات الإسكندر. كما يزيد ابن رشد من معلوماته عما سمع من أخبار عن وجود الفيل في الصحارى وهو ما لاحظه أيضا أصحاب المجسطي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٣١