214
ويظهر الموروث الأصلي، القرآن، كمصدر رئيسي للأمثلة الشعرية دون الحديث.
215
فالقرآن وريث الشعر، وكلاهما المكونان الرئيسيان للوجدان العربي. فأصناف التخييل والتشبيه ثلاثة؛ اثنان بسيطان وثالث مركب، والبسيطان أحدهما تشبيه شيء بشيء وتمثيله به، والثاني أخذ الشبيه بعينه بدل الشبيه وهو الإبدال مثل قوله تعالى
وأزواجه أمهاتهم ، وفي هذا النوع تدخل الاستعارة والكناية مثل
أو جاء أحد منكم من الغائط . والاستدلال الفاضل والإرادة إنما يكون في الأفعال الإرادية. وأكثر ما يوجد هذا النوع من الاستدلال في الكتاب العزيز، مدح الأفعال الفاضلة وذم الأفعال غير فاضلة. ومثال الإرادة في المدح
ضرب الله مثلا كلمة طيبة ... ما لها من قرار . ومثال الاستدلال قوله تعالى
كمثل حبة أنبتت سبع سنابل . وأشعار العرب خلية من مدائح الأفعال الفاضلة وذم النقائص؛ لذلك أنحى الكتاب العزيز عليهم واستثنى منهم من ضرب قوله إلى هذا الجنس، ويعني ابن رشد الآية الأخيرة في سورة الشعراء.
216
ومن أنواع المجاز الحذف مثل قوله تعالى
واسأل القرية ، وقوله:
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، والتقديم والتأخير مثل قوله تعالى:
ولم يجعل له عوجا
وقوله:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه ، والزيادة مثل قوله تعالى:
تنبت بالدهن ، ومثل قوله تعالى:
ليس كمثله شيء
ومثل قوله تعالى:
ولا طائر يطير بجناحيه ، وكون الضد سببا للضد قوله تعالى:
ولكم في القصاص حياة . وربما عرض من الإبدال المناسب قلة فهم بعض السامعين كما عرض في قوله تعالى:
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود
ظن بعضهم أنه الخيط الحقيقي فنزلت
من الفجر . ولكل أمة تشبيهاتها، تشبيه اليونان الضب بالنون لمكان السراب الموجود في بلادهم، وتشبه القرآن في قوله تعالى:
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ، ويحال أيضا إلى الكتاب العزيز سواء تم الاقتباس منه أم لا، مقارنة بأشعار العرب. فكثير من الشعر السوفسطائي موجود في أشعار العرب ولا يوجد في الكتاب العزيز، فهذا النوع من الشعر أشبه بالكلام السوفسطائي من البرهان. كما أن أمثال أنواع المدائح الأربعة للفعل الإرادي الفاضل غير موجودة في أشعار العرب وإنما هي موجودة في الكتاب العزيز.
217
وكما بدأ الكتاب بالبسملة والصلاة على محمد وآله ينتهي أيضا بدعوة الله بالتوفيق للصواب بفضله ورحمته.
| ثالثا: تلخيص الطبيعيات (ابن رشد)
(1) تلخيص السماء والعالم
وهو الكتاب الثاني بعد «السماع الطبيعي» من العلم الطبيعي عند أرسطو.
1
ويقسم ابن رشد بالإضافة إلى قسم الكتاب التقليدية إلى مقالات أربع كل منها عدة جمل إلى أقوال، كل منها يبدأ بإحدى صيغ فعل القول، الصيغة النموذجية في ضمير الغائب «قال».
2
ويحيل إلى تلخيصاته السابقة وشروحه مثل شرح السماء والعالم وكتاب الآثار. وبالرغم من أن التلخيص مكتوب للخاصة إلا أن العامة لم تكن غائبة عن ذهن ابن رشد التي وضع لها «الفلسفة الخارجية» مثل أنه يجب للشيء الروحاني الذي هو في غاية الفضيلة ألا يتغير ولا يبيد.
3
بالرغم من أن فقرات التلخيص تبدأ بفعل القول في صيغة «قال» إلا أن «نقول» و«أقول» أو «قلت» تتخلل ثنايا التلخيص إما بمفردها أو بالتقابل «أما نحن فنقول» للتمييز بين الأنا والآخر، «وهو الذي يدل عليه اسم العالم عندنا».
4
والقراءة المدققة للتلخيص تتطلب ثلاث خطوات؛ الأولى: قراءة أرسطو أولا في ترجمته العربية كما بدأ ابن رشد. والثانية: قراءة تلخيص أرسطو، قراءة على قراءة. والثالثة: مقارنة النصين من أجل التعرف على آلياتها بين النقل والإبداع. وعند ابن رشد إحساس بالجدة وأنه لم يسبقه أحد على هذا القدر.
5
وابن رشد يلخص المعاني ولا يشرح الألفاظ «فمعنى قول أرسطو أن ...» والمعنى قصدي يبينه ابن رشد «فقد تبين من هذا القول المعنى الذي قصده أرسطو.» يبين ابن رشد منذ فاتحة الكتاب، بداية المقالة الأولى غرض أرسطو في الكتاب؛ لذلك تكثر أفعال البيان. ويدخل ابن رشد في حجاج أرسطو ومسار فكره. ويتابعه في مقدماته ونتائجه وجدله ومعاناته للخصوم حتى يلزمهم بتناقضاتهم. ويبرر أجزاء الكتاب بأنه تابع لمسار الفكر، الكلام في المحسوسات في «السماء والعالم» بعد الكلام في العموميات في «السماع الطبيعي». ويعد ابن رشد الأفكار والخطوات والمراحل ويحيل السابق إلى اللاحق واللاحق إلى السابق.