ويحال إلى كتاب الخطابة إذ يقتصر الشعر على الوزن واللحن ولكن الخطابة تجعل القول إثم بإضافة الإشارات والأخذ بالوجوه. والأقاويل الانفعالية والخطبية وضروب الانفعالات أقرب إلى الخطابة منها إلى الشعر.
190
والتلخيص هو بيان للقصد والغرض، والغرض تلخيص ما في كتاب أرسطو في الشعر من القوانين الكلية المشتركة لجميع الأمم أو للأكثر سواء الموجود في أشعار العرب أو في أشعار غيرهم من الأمم، ويتضح من مسار الفكر أيضا على أن الغاية من التلخيص هو البيان والإيضاح باستعمال أفعال البيان، ومن الوضوح الفكري تأتي القسمة العقلية الجامعة المانعة للموضوع؛ فالتشبيهات ثلاث وفصولها ثلاثة، وأصنافها ثلاثة. وإذا ما استقرئت الأشعار تأكد أنه لا يوجد صنف أو فصل رابع.
191 (أ) الوافد
ومن الوافد يتضح أوميروش ثم أرسطو ثم أنبادقليس وسقراط
192
فأشعار أوميروس يوجد فيها الوزن واللحن في حين أن أقاويل سقراط وأنبادقليس بها الوزن فقط. وكانت طريقة أوميروش أنه كان يأتي في تشبيهاته بالمطابقة والزيادة المحسنة أو المقبحة. فمن الشعراء من أجاد في المطابقة فقط، ومنهم من أجاد في التحسين والتقبيح، ومنهم من أجاد في الاثنين مثل أوميروش. ويثني أرسطو على أوميروش لأنه هو الذي أعطى مبادئ هذه الصنائع. ولم يسبقه أحد في صناعة المديح بعمل يعتد به ولا في صناعة الهجاء ولا في غير ذلك من الصنائع المشهورة عندهم، وميزة أوميروش أنه يلتزم في شعره بغرض واحد. ولا يتنقل بين الأغراض كما يفعل باقي الشعراء.
وذكر أوميروش شعرا في وصف قضية عرضت لرجل عن طريق التشبيه والمحاكاة، وهي مدائح الأشياء في غاية الفضيلة، وهي مهمة الشاعر، محاكاة كل شيء كمحاكاة الأخلاق وأحوال النفس. وقد خاطب أوميروش في شعره أيضا الديار والأطلال، وسمع ردودها عليه. كما أثنى أرسطو على أوميروش لإبداعه في الأشعار القصصية وفي اختيار أجود الأوزان وأليقها للأشعار وأنواعها، ومن قوانين الشعر أن يكون كلام الشاعر يسيرا بالإضافة إلى الكلام المحاكي، وهو ما فعله أوميروش، فقد كان يعمل صدرا يسيرا ثم يتخلص إلى ما يريد محاكاته.
193
ويأتي أرسطو بعد أوميروش. فالغرض هو تلخيص ما في كتاب أرسطوطاليس في الشعر من القوانين الكلية المشتركة لجميع الأمم أو للأكثر، ليس في الشعر اليوناني وحده أو في الشعر العربي وحده. فالشعر خاص بكل أمة، وما يوجد في لسان قد لا يوجد في لسان آخر، الغرض إذن الخروج من الشعر الخاص إلى الشعر المطلق كما أراد ابن سينا قبل. وابن رشد يجتهد رأيه في فهم ما ذكر أرسطو من الأقاويل المشتركة للأكثر أو للجميع، جميع أصناف الشعر والخاصة بالمديح، فتلخيص ابن رشد وكتاب أرسطو كلاهما يساهم في وضع القوانين العامة لصناعة الشعر.
194
ومن الوافد الشرقي يذكر كتاب كليلة ودمنة كنموذج للأقاويل المخترعة الكاذبة كنوع من أنواع المحاكاة، مثل الأمثال والقصص. في حين أن الشعر لا يتكلم إلا في الأمور الموجودة أو الممكنة الوجود.
195 (ب) الموروث
ويطغى الموروث على الوافد خاصة الموروث الشعري. ويأتي في المقدمة المتنبي ثم امرؤ القيس ثم أبو تمام، ثم ذو الرمة، ثم النابغة، ثم الأسود بن يعفر، والأعشى، والبحتري، والخنساء، وزهير، وعنترة، وأبو فراس، وقيس المجنون، والكميت، ومتمم بن نويرة، وابن المعتز، والمعري والهذلي.
196
ونظرا لانتشار الموروث في كل صفحات التلخيص فإنه يمكن عرض الشعراء معا دون عرضهم شاعرا شاعرا؛ فالموضوع الواحد المستقى من الشعر العربي له أكثر من مثل عند مجموعة من الشعراء. فالقصد هو مجموع الموروث الشعري وليس شعر كل شاعر بمفرده بالرغم من تفرد المتنبي وامرئ القيس وأبي تمام وذي الرمة والنابغة على غيرهم.
يضرب المثل ببيتين للمتنبي لبيان أن الاستدلال والأداة في غير المتنفسة هو الغالب على أشعار العرب. في البيت الأول استدلال وفي الثاني إرادة وهما صنفا المحاكاة التي في غاية الحسن.