180
ومثال على أن الضدين أو المتقابلين واحد بعينه قول القائل إنه سواء في الإثم والغربة أن الإله مخلوق وأنه لا يموت، أو قوله إنه ليس بمخلوق ويموت؛ إذ يلزم عنهما أن يكون الإله ليس بإله. ومن هذا أيضا قول القائل: سواء عصيت الله أو عصيت الرسول ويضرب المثل بصدق المقدمات وكذب النتائج مثل سؤال رجل من النصارى: أليس الآباء والأبناء من جنس واحد؟ فإذا قيل نعم قال فعيسى إذن ليس ابنا لله.
181
ويتضح الموروث الأصيل، القرآن والحديث أكثر من القرآن، ففي أنواع التصديقات الثلاثة، الأول منها إثبات المتكلم فضيلة نفسه التي يكون بها أهلا أن يصدق يذكر ابن رشد آية على لسان هود
وأنا لكم ناصح أمين . ويستعمل القرآن أيضا كمثل لبيان عن الكناية عن الشيء بضده مثل
كانا يأكلان الطعام
كدليل على النبوة. ويضرب المثل على الكرور، أن يكون أول الكلام مثل آخره أو بتعبير البلغاء رد العجز على الصدر بآية
الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة . كما يضرب المثل بالقرآن على الأقاويل الخطبية المفصلة بالصيغ المتنقلة آية
فاصبر صبرا جميلا * إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا . فألفاظ: جميلا، بعيدا، قريبا، كلها على صيغ واحدة وشكل واحد، وهو كثير في الكتاب العزيز، وهو نموذج الكلام البليغ. وأخيرا يضرب المثل بالقرآن على الاعتماد على الشيء كأنه نصب العين بطريقة المقابلة مثل
وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم . ويضرب المثل على مد الحروف في قوافي الشعر بآية
وتظنون بالله الظنونا . كما يضرب المثل بنطق اللفظ وقصد معنى آخر بما قالته اليهود
راعنا
للإيهام بأنهم يقولون: ارعنا السمع وهي تريد غير ذلك.
182
والأحاديث النبوية أكثر من الآيات القرآنية. يستعمل الحديث كمثل على النوع الثاني من الشهود على الأشياء المستقبلة. فإذا كان النوع الأول هو الكهان فالنوع الثاني ذوو الأمثلة السائرة التي تمنع أو تأذن في العمل كما قال الرسول: «صلة الرحم تزيد في العمر.» كما يستعمل الحديث كمثال على لغة البدن والإشارة كعامل مساعد على لغة البيان والألفاظ عندما قال الرسول في آخر خطبة: «بعثت أنا والساعة كهاتين.» وأشار بأصبعيه يقرنهما. وتنتهي كل مقالة بالبسملة والصلاة على محمد وآله وتنتهي بالحمدلة.
183 (8) تلخيص الشعر
وهو آخر الكتب المنطقية الثمانية. أصغر من الخطابة، بل وأصغر حجما من الترجمة العربية القديمة لكتاب الشعر.
184
فهو تلخيص بالمعنى الدقيق أي تركيز وضم وجمع وإضافة وليس شرحا وتفصيلا وإسهابا وإضافة وتأويلا كما هو الحال في تلخيص الخطابة.
وهو مقسم إلى فقرات كل منها تبدأ بإحدى صيغ أفعال القول وهي الصيغة النمطية «قال». مجرد العبارة الأولى من أرسطو دون إكمال الفكرة ثم يبدأ التلخيص أي الشرح وعرض الفكرة، فلا يوجد نص من كتاب الشعر له بداية ونهاية، كما هو الحال في التفسير.
185
ويظهر التقابل بين الأنا والآخر، بين النحن والهم إدراكا للتمايز بين الثقافات، والمقارنة بين أشعارنا وأشعارهم، وأوزاننا وأوزانهم، ولساننا ولسانهم، وعاداتنا وعاداتهم، وألفاظنا وألفاظهم.
186
وأحيانا يكون التركيز على «الهم» فقط مثل ألفاظهم، عندهم، أشعارهم، شعرائهم، بلادهم، طباعهم، عاداتهم، لسانهم، قولهم، تشبيهاتهم.
187
وأحيانا يكون التركيز على «النحن» فقط مثل أهل زماننا، عندنا، بيننا، شعراؤنا، لساننا.
188
وهناك إحساس بتقدم التاريخ عند ابن رشد بين المتقدمين والمتأخرين؛ فقد كان الأقدمون من واضعي السياسات يقتصرون على تمكين الاعتقادات في النفوس بالأقاويل الشعرية حتى شعر المتأخرون بالطرق الخطبية وكأن هناك تقدما من الشعر إلى الخطابة.
189
كما يتحدث من تسمية بعض القدماء الشيخوخة عشية العمر، والعشية شيخوخة النهار كنموذج للاسم المنقول.