تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان الموروث قد تحول إلى وعاء للوافد في «تلخيص المقولات» و«تلخيص العبارة» نظرا لسهولة تعشيقهما معا في اللغة، الميدان الأول للثقافة العربية، وانحسرا معا في «تلخيص القياس» و«تلخيص البرهان» نظرا للطابع الصوري لتحليل القضايا، وانفرجا بعض الشيء في «تلخيص الجدل» و«تلخيص السفسطة» فإن الموروث بدا وعاء كبيرا لاحتواء الوافد في «تلخيص الخطابة» و«تلخيص الشعر» الميدان الثاني للثقافة العربية.

132

و«تلخيص الخطابة» أكبر حجما من الترجمة العربية القديمة نظرا لتوسع ابن رشد في إيضاح المعاني وإضافته مادة جديدة من الخطابة العربية إما لإعطاء أمثلة توضيحية على تحليلات أرسطو أو لتعديل هذه التحليلات لتوسيع أسسها النظرية على النحو الآتي.

133

والخطابة لا تنفصل عن الأخلاق والاجتماع والسياسة لأنها مجرد وسيلة للاتصال بين الناس في موضوعات عن الحياة العامة والأوضاع الاجتماعية. ومع ذلك فالتحليلات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية ناقصة. يعوض عن ذلك كثرة الأمثلة من البيئة الثقافية العربية الإسلامية خاصة في المقالة الثالثة. ولا ينظر الفارابي إلى الخطابة عند أمة واحدة، العربية أو اليونانية، بل عند سائر الأمم.

وإذا كان الشرح على مستوى اللفظ فإن التلخيص على مستوى المعنى. وهو ما يعترف به ابن رشد نفسه في نهاية المقالة الأولى من أن التلخيص للمعنى من أجل توضيح المعاني وتحويلها من مجهول إلى معلوم حصرا للمعاني والأغراض أولا قبل الكلام.

134

وبالرغم من قدرة ابن رشد الأدبية إلا أن أسلوب «تلخيص الخطابة» أقل أساليبه ملاءمة، وربما لسوء الترجمة أو لصعوبة نقل الموضوع من البلاغة اليونانية إلى البلاغة العربية، وربما يرجع ذلك إلى الترجمة العربية القديمة.

135

وكثير من العناوين الجانبية من وضع ابن رشد.

والأقاويل الشعرية متقدمة بالزمان على الأقاويل البلاغية؛ فالشعر أسبق من النثر. فالأقاويل تتطور في الزمان.

136

وتظهر أفعال القول بوضوح. البداية من أرسطو ولكن بقية القول من ابن رشد. ولا يذكر قول أرسطو حرفا ولكن معنى، فالتلخيص توجه نحو المعنى وليس نحو اللفظ كما هو الحال في الشرح أو نحو الشيء نفسه كما هو الحال في الجوامع. وتبدأ الفقرات بالصيغة اللفظية «قال». وتظهر بصورة أقل صيغ أخرى مثل «فهذا جملة ما قاله»، «فهذا آخر ما قاله». وفي نفس الوقت توجد أيضا صيغ المتكلم مفردا أو جمعا للدلالة على التقابل بين الآخر والأنا مثل «فنقول»، «قلنا»، «نقول»، «فلنقل»، «نحن قائلون». كما قد تظهر صيغة المبني للمجهول «قيل» بصرف النظر عن القائل. وتظهر صيغة ثالثة محايدة مستقلة عن ضمائر الغائب والمتكلم وهو مصدر «القول» الصريح أو بأداة الصلة «ما قال».

137

كما يظهر هذا التقابل في أشكال أخرى مثل «عندنا» و«عندهم».

138

كما تأتي أفعال «البيان» بعد أفعال القول مما يدل أيضا على أن التلخيص هو نظرية في الإيضاح في عدة صيغ أهمها «فقد تبين»، في المضارع أو «فقد استبان» في الماضي أو «يبين» في المضارع و«بين أن» في المصدر.

139

كما تظهر أفعال الفهم والإدراك والتصور مثل «يعني» يفهم، أو أفعال الاقتضاء مثل «ينبغي» إيجابا أم سلبا. فالفكر صورة معيارية، ما ينبغي أن يكون عليه.

140

ويظهر مسار الفكر في إحالة السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق. يتوقف عند جزء ويعلن عن بداية جزء آخر.

141

ويلاحظ على «تلخيص الخطابة» ما يلي: (1)

توسع مفهوم الخطابة وشمل السنن والشهود والعقود والعذاب والإيمان، وتحول من مستوى البلاغة إلى مستوى القانون؛ لذلك ظهر الفارابي كمعلم لابن رشد في تحليلاته الاجتماعية والسياسية. (2)

الخطابة موهبة طبيعية لا تخضع لقانون. هي أقرب إلى الطبيعة منها إلى الصنعة، موهبة وليست اكتسابا. كما أن الفكر السليم لا يحتاج إلى قواعد النطق. ويرتجل الشاعر دون وعي بالبحور كما تغرد البلابل دون قراءة للنوتة الموسيقية؛ ومن ثم يكون السؤال ما مدى استعمال كل هذه التقسيمات لأنواع الأقيسة الخطبية وإرجاعها إلى أشكال القياس الصوري؟ (3)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١١٥