تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

ويوسع ابن رشد مفهوم اللغة إلى اللسانيات الثقافية.

36

إذ تختلف معاني الألفاظ عند الأمم مما يدل على أن المعاني بالتواطؤ وليس بالطبع. فاللغة وضعية. وتجاوزت الأمثلة اللغة اليونانية عند أرسطو إلى اللغة العربية عند ابن رشد، وانتقل التحليل من المستوى المجرد العام في «تلخيص المقولات» إلى المستوى العيني الخاص في «تلخيص العبارة». وكما أن الحروف والخطوط ليست واحدة عند جميع الأمم فكذلك دلالاتها على معانيها. أما المعاني في النفس فهي واحدة عند الجميع. يضع ابن رشد هنا أسس الفقه المقارن. تعدد الألفاظ في اللغات ووحدة المعنى في النفس تطبيق لمبدأ التنوع والوحدة.

يذكر ابن رشد لسان العرب ثم كلام العرب ونحويي العرب.

37

فالاسم المحصل وغير المحصل غير موجود في لسان العرب، وليس للزمان صيغة خاصة في لسان العرب، وإنما الصيغة التي توجد له في كلام العرب مشتركة بين الحاضر والمستقبل؛ لذلك قال نحويو العرب بإدخال السين على المضارع ليتحول إلى المستقبل، كما أن لسان العرب لا يقتضي وجود رابطة بين الموضوع والمحمول كما لاحظ الفارابي من قبل. وقد يضاف هو على أقصى تقدير.

38

ويعطي ابن رشد نماذج من الأمثال العربية على الموضوعات الخيالية الخارجة عن الصدق والكذب مثل عنز أيل وعنقاء مغرب. التلخيص بهذا المعنى هو الانتقال من الخاص اليوناني إلى النظرية العامة ثم التحول من النظرية العامة إلى تطبيقاتها في نماذج أخرى في اللغة العربية والسنة الأمم على النحو الآتي:

وموضوع اللغة هو الذي يتم فيه تعشيق الوافد في الموروث في موضوع عرضه الأصوليون وهو: هل اللغة توقيف أم اصطلاح؟ هل دلالتها بالطبيعة أم بالتواطؤ؟ فالقول عند ابن رشد بالتواطؤ لا بالطبع.

39

فإذا كانت عبقرية اليونان في المنطق فإن عبقرية العرب في اللغة كما هو الحال في المناظرة الشهيرة بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي حول المنطق والنحو، المنطق لغة اليونان، والنحو منطق العرب.

كما استرعي انتباه ابن رشد موضوع الأمور الاتفاقية وكيفية ربطها بموضوع النبوة، وكذلك موضوع الأمور المستقبلة وعدم اجتماع السلبي والإيجاب فيهما؛ إذ لا يمكن استنتاج شيء بالنسبة للنبوة في المستقبل لأنها في حيز الإمكان وليست في حيز الوقوع، وإلا تحولت أمور المستقبل إلى أمور ضرورية وبالتالي تبطل الروية والاستعداد لدفع شر أو توقع خير.

40

وهنا يبدو ابن رشد أكثر إحساسا بإمكانيات المستقبل دون إخضاعه لحتمية تاريخية وقانون ثابت مثل قوانين المنطق الصورية. مع إنه يمكن التنبؤ بمصائر الأمم والشعوب كما هو الحال في خصائص الأنبياء.

وتظهر بعض المصطلحات الأصولية مثل الأمر والنهي للتعبير عن مصطلحات المنطق مثل الجازم وغير الجازم، وألفاظ العموم مثل إضافة ألف ولام التعريف.

كما يحيل ابن رشد كثيرا من قضايا المنطق إلى الفطرة ويحكم عليها بها. وهو تصور إسلامي

فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله .

41

ويبدأ ابن رشد بالبسملة والصلاة على محمد وآله.

42

وكثير من التحليلات المنطقية للقضايا هي في الحقيقة تحليلات لغوية؛ فالموضوع والمحمول في المنطق هما المبتدأ والخبر في النحو، والرابطة في المنطق هو الضمير في اللغة، والقضايا الشرطية في المنطق هي الجمل الشرطية في النحو، والجهات في المنطق الضروري والممكن والمستحيل هي أنواع الكلام في اللغة من خبر وإنشاء واستفهام وتعجب وتساؤل وتمن. والتصورات في المنطق هي الألفاظ في اللغة، والتصديقات في المنطق هي الجمل في الكلام، هنا يسير ابن رشد في نفس الطريق الذي اشتقه الفارابي من قبل وهو تحويل المنطق إلى لغة وكما عبر عن ذلك في كتاب «الحروف».

واضح أن الغاية من التلخيص ليس فقط بيان المعاني بل أيضا نقل المنطق كله من المستوى الصوري إلى المستوى الطبيعي والإنساني، بداية من التحول من منطق العقل إلى لغة الخطاب كما حاول المناطقة المحدثون في الغرب.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٠٤