تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وبينما يبدو فكر أرسطو مضطربا في باقي بعض الموضوعات إلا أن ابن رشد يقوم بتوضيحها، وحل إشكالاتها، وإيجاد بدائل أخرى لها. ثم ينتهي إلى أن يكون الموضوع واضحا بنفسه.

ويظهر مسار الفكر أكثر في «تلخيص العبارة». يبدو أن ابن رشد في «تلخيص المقولات»، كان ما زال يتحسس الطريق. وربما لأن موضوع المقولات لم يسمح له بالاستقلال شبه التام عن أرسطو كما هو الحال في «تلخيص العبارة». وتتم إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق لبيان وحدة الفكر ومساره وانتقاله من المقدمات إلى النتائج أو من النتائج إلى المقدمات في منطق الاتساق الذي يمحى من الوقوع في التناقض.

25

ويبحث ابن رشد عن السبب في نشأة الحروف والكلمات بالتواطؤ. ويدخل ابن رشد في الإشكالات الفلسفية، ويأخذ طرفا في المعارك الفكرية؛ إذ ينقد كل من يعلن أن لكل معنى ولكل لفظ دلالة طبيعية. كما يهاجم نظرية التوفيق في نشأة اللغة مدافعا عن الاصطلاح.

ويتجه ابن رشد بوضوح أكثر نحو غاية الكتاب، التلخيص بالقصد وبيان الغرض.

26

ويعتمد ابن رشد على القسمة من أجل تفصيل جوانب الموضوع، ثنائيا وثلاثيا ورباعيا.

27

وقد تجاوز ابن رشد موضوعات أرسطو في تلخيص العبارة، إلى موضوعات أخرى لم يناقشها أرسطو. فقد كان نص أرسطو مجرد مناسبة لإتمام الموضوع، مجرد بداية وليس نهاية. يذكر أرسطو في حد الاسم كلفظ يدل بتواطؤ لهذا المعنى، وربما عنى باللفظ الصوت كما هو الحال في اشتراك الاسم وهو الصحيح.

28

كما يذكر أرسطو في باقي مؤلفاته المنطقية وضعا للجزء في الكل، وتفسيرا للنص بالسياق الكلي ولكتاب العبارة في مجموع كتب المنطق الثمانية خاصة القياس والشعر.

29

كما يحال إلى كتاب النفس في دلالة المعاني في النفس على الموضوعات في العالم.

30

وفي حد العدم يحال إلى المقولات. وقد قسم أرسطو موضوع القضايا. ذكر البعض منها في العبارة وترك الآخر في القياس أو البرهان أو الجدل أو السفسطة. كما أحال أرسطو في موضوع الأقاويل الجازمة وغير الجازمة والتامة والناقصة إلى الخطابة والشعر. كما يحال في الحروف إلى كتاب الشعر، ويذكر سقراط كعادة اليونان في ضرب المثل بأي شخص. كما يذكر زيد وعمرو وعبد الملك وعبد قيس وبعلبك. وقد يظهر امرؤ القيس شاعرا وامرؤ القيس موجود شاعرا كمثل عربي تاريخي بدلا من زيد وعمرو لشرح الرابطة بين الموضوع والمحمول. هنا ينتقل ابن رشد من خصوصية اليوناني إلى عموم الشعوب. ويتجاوز الحضارة الخاصة إلى مجموع الحضارات البشرية كما نادى ابن سينا في آخر كتاب الشعر في الشفاء بالانتقال من الشعر الخاص إلى الشعر المطلق، الشعرية ذاتها كمشروع للأجيال القادمة.

31

بل إن ابن رشد نفسه على علم بحدود موضوع تلخيص «كتاب العبارة»، ولا يتطرق إلى باقي الموضوعات التي لا تدخل فيه.

32

وفي نفس الوقت يبين ارتباط المنطق بالطبيعة ويحيل الموضوعات الداخلة في الطبيعة إليه. فالمنطق ليس علما صوريا بل هو مرتبط بالنفس والطبيعة وربما بما بعد الطبيعة نظرا لوحدة العلمين.

33

فالتضاد ليس فقط في النفس بل خارج النفس، وليس فقط في النظر بل أيضا في الاعتقاد الصادق.

34

وكما أن الطبيعة وما بعد الطبيعة علم واحد فكذلك المنطق والطبيعة علم واحد. فثنائيات المنطق، الصورة والمادة، التقابل والتضاد، الكل والجزء لا تختلف كثيرا عن ثنائيات الطبيعة، الزمان والمكان، الحركة والثبات، العلة والمعلول. المنطق طبيعة في النفس، والطبيعة منطق الوجود. المنطق وجود في العالم الأصغر، والطبيعة منطق في العالم الأكبر.

وكان عند ابن رشد إحساس بالتحول من القدماء إلى المحدثين. فهو يحيل إلى القدماء باعتبارهم المغايرين، السابقين، مرحلة التجاوز إلى اللاحقين والمحدثين، كما أنه يشير إلى المفسرين وتعدد التفاسير، فلا يوجد تفسير واحد للمنطق أو رؤية نمطية له. بل تتعدد التغيرات بتعدد مستويات التحليل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٠٣